تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الحركات العضلية فإن الجسم بعد شغل عقلي أو بعد إفراط في حظوظ عشقية يحتاج للنوم أكثر من أن يحتاج له عقب شغل عضلي .

« البحث الثاني في الوقت الضروري للنوم » :

اعلم أن الليل هو الوقت الضروري للنوم ؛ لأن المنبهات التي كانت موجبة لشغل الحواس بالنهار ذهبت بنفسها في الليل ؛ ولذا كان النوم بالنهار لا يحصل منه راحة كاملة للجسم ، فلو سهر الإنسان ليلة ونام نهارها لا يحصل له تعويض كلي للاستراحة التي كان يكتسبها بنوم الليل ، والأشخاص الذين يجعلون ليلهم نهارا يكون لونهم أصفر ، وفيهم انحطاط قوة ، ويكونون قابلين للتهيج واليبوسة ؛ لأنهم لم يتعرضوا إلى ما هو مناف للصحة فقط ، بل فقدوا أيضا التأثير الصحي الذي يكون من الحرارة والضوء والشمس والهواء الذي يكون فيه العنصر المغذي بالنهار أشد ، وغير ذلك فالذي يغار على صحته يجب عليه أن ينام في أول وقت النوم ، ويتيقظ في أول وقت اليقظة أعني أن يكون كل من نومه وتيقظه في ساعات متساوية في البعد من نصف الليل ، وهذه العادة زمن الشتاء ضرورية أكثر منها في زمن الصيف ؛ لتباعد الأشخاص عن أن يشتغلوا على الضوء المصنوع فتحفظ صحة أبصارهم ، والحاجة للنوم في النهار توجد في البلاد الحارة ؛ لكون درجة الحرارة فيها تزيل من الجسم القوة والاستعداد التيقظي بسرعة ، وقد توجد عقب غم شديد حصل من خبر رديء ، أو عقب رياضية خارجة عن العادة ، والنوم في النهار في هذه الأحوال مناسب .

« المقالة الرابعة والعشرون » في قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ

( 23 ) [ الرّوم : الآية 23 ] . اعلم أن قوله :
مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ الرّوم : الآية 23 ] . قيل : أراد به النوم بالليل والنوم بالنهار وهي القيلولة ، ثم قال :
وَابْتِغاؤُكُمْ
[ الرّوم : الآية 23 ] . أي فيهما فإن كثيرا ما يكتسب الإنسان بالليل . وقيل : أراد منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار فلق البعض بالبعض ، ويدل عليه آيات أخر منها قوله تعالى :
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا
[ الإسراء : الآية 12 ] . وقوله :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ( 10 ) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
( 11 ) [ النبأ : الآيتان 10 ، 11 ] . ويكون التقدير هكذا ومن آياته منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار من فضله ، فأخر الابتغاء ، وقرنه في اللفظ بالفعل إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من كسبه وبحذفه ، بل يرى كل ذلك