تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
يعنى : قريشا ، وهم القائلون :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا
« 1 » ، والتعبير عنهم بعنوان الكفر ؛ لذمهم ، والإشعار بعلّيّة الحكم ، قالوا :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
، نزّل هنا بمعنى أنزل ، وإلا كان متدافعا ؛ لأن التنزيل يقتضى التدرج بصيغته ، وهم إنما اقترحوا الإنزال جملة ، أي : هلّا أنزل القرآن ، حال كونه
جُمْلَةً واحِدَةً
أي : دفعة واحدة في وقت واحد ، كما أنزلت الكتب الثلاثة ، وماله أنزل مفرقا في سنين ؟ وبطلان هذه المقالة الحمقاء مما لا يكاد يخفى على أحد ؛ فإن الكتب المتقدمة لم يكن شاهد صحتها ، ودليل كونها من عند اللّه ، إعجازها ، وأما القرآن الكريم ، فبينة صحته ، ودليل كونه من عند اللّه ، نظمه المعجز الباقي على مر الدهور ، ولا ريب في أن ما يدور عليه فلك الإعجاز هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال ، ومن ضرورية تغيرها وتجددها تغير ما يطابقها حتما ، على أن له فوائد أخرى ، قد أشير إلى بعض منها بقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
؛ فإنه استئناف وارد من جهته تعالى ؛ لرد مقالتهم الباطلة ، وبيان الحكمة في التنزيل التدريجي . قاله أبو السعود . أي : أنزلناه كذلك مفرقا في عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين ؛ لنثبت به فؤادك ، ونقوى به يقينك ، فكلّما نزل شئ من الوحي قوى القلب ، وازداد اليقين ، حتى يصير إلى عين اليقين وحق اليقين . قال القشيري : لأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل - عليه السّلام - بالرسالة في كل وقت وحين . وكثرة نزوله كان أوجب ؛ لسكون قلبه ، وكمال روحه ، ودوام أنسه ، ولأنه كان جبريل يأتيه في كل وقت بما يقتضيه ذلك الوقت من الكوائن والأمور الحادثة ، فكان ذلك أبلغ في كونه معجزة ، وكان أبعد من التهم من أن يكون من جهة غيره ، وبالاستعانة بمن سواه حاصلا . ه . وقال القرطبي بعد كلام : وأيضا : لو أنزل جملة ، بما فيه من الفرائض ؛ لثقل عليهم ، وأيضا : في تفريقه تنبيه لهم ، مرة بعد مرة ، وهو أنفع لهم ، وأيضا : فيه ناسخ ومنسوخ ، ولو نزل ذلك جملة لنزل فيه الأمر بالشيء وبتركه ، وهو لا يصح . ه . وقال النسفي : لنقوى ، بتفريقه ، فؤادك ؛ حتى تعيه وتحفظه ؛ لأن المتلقى إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شئ ، وجزءا عقب جزء ، ولو ألقى عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه . أو : لنثبت به فؤادك عن الضجر ؛ وذلك بتواتر الوصول وتتابع الرسول ؛ لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب . ه .
هامش
( 1 ) الآية 21 من سورة الفرقان .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 97 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان