تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
رأسك بالسيف » . فقتل عقبة يوم بدر ؛ صبرا . وأما أبىّ فقتله النبي صلى اللّه عليه وسلم بيده ، يوم أحد ، في المبارزة ، طعنه في عنقه ، فمات بمكة « 1 » . وعن الضحاك : لما بصق عقبة - بأمر أبىّ - في وجه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، رجع بصاقه في وجهه ، وشوى وجهه وشفتيه ، حتى أثر في وجهه وأحرق خديه ، فلم يزل في وجهه حتى قتل ، وقتله علىّ ببدر بأمره صلى اللّه عليه وسلم بقتله . ه . وقال الشعبي : كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأبي بن خلف ، فأسلم عقبة ، فقال أبىّ : وجهي من وجهك حرام ، أن تابعت محمدا ، فارتدّ ؛ لرضا صاحبه ، فنزلت الآية « 2 » . ه . وإمّا جنس الظالم ، ويدخل عقبة فيه دخولا أوليا .
يَقُولُ يا لَيْتَنِي
، الياء لمجرد التنبيه ، من غير تعيين المنبّه ، أو : المنبه محذوف ، أي : يا هؤلاء
لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ
في الدنيا
مَعَ الرَّسُولِ
محمد صلى اللّه عليه وسلم
سَبِيلًا
أي : طريقا منجيا من هذه الورطات ، وهو طريق الإسلام ، ولم أكن ضالا ، أو : طريقا إلى الجنة ،
يا وَيْلَتى
، بقلب ياء المتكلم ألفا ، كما في صحارى وعذارى . وقرئ بالياء على الأصل ، أي : يا هلكتى ، تعالىّ ؛ هذا أوانك ،
لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
، فلان : كناية عن الأعلام ، فإن أريد بالظالم عقبة ، فالمعنى : لم أتخذ أبيّا خليلا ، فكنى عن اسمه ، وإن أريد به الجنس ، فهو كناية عن علم كل من يضله ، كائنا من كان ، من شياطين الإنس والجن . وقيل : هو كناية عن الشيطان . ثم قال :
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ
؛ عن ذكر اللّه ، أو : القرآن ، أو : الإيمان ، أو : موعظة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أو : كلمة الشهادة . وتصديره بلام القسم ؛ للمبالغة في بيان خطأه ، وإظهار ندمه وحسرته ، أي : واللّه لقد أضلني عن الذكر
بَعْدَ إِذْ جاءَنِي
من اللّه ، وتمكنت منه .
وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا
أي : مبالغا في الخذلان ، حيث يواليه من يؤديه إلى الهلاك ، ثم يتركه ولا ينفعه ، وهو الحامل له على مخاللة المضل ومخالفة الرسول . وقيل : المراد به خليله أبىّ ، وسماه شيطانا ؛ لأنه أضله كما يضله الشيطان . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : في الآية تحريض على محبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وشد اليد على التمسك بسنته ، والاهتداء بهديه ، واتباع ما جاء به ، قبل أن تقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا . وفيها أيضا : الترغيب في صحبة الأبرار ، والترهيب من صحبة الفجار ، وأنشد بعض الحكماء :
تجنب قرين السوء واصرم حباله * فإن لّم تجد عنه محيصا فداره
وأحبب حبيب الصّدق واحذر مراءه * تنل منه صفو الودّ ما لم تماره
وفي الشّيب ما ينهى الحليم عن الصّبا * إذا اشتعلت نيرانه في عذاره .
هامش
( 1 ) انظر أسباب النزول للواحدي ( 343 - 344 ) ، وتفسير البغوي ( 6 / 8 ) . وانظر الفتح السماوي ( 2 / 880 ) . ( 2 ) ذكر قول الضحاك والشعبي : البغوي في تفسيره ( 6 / 81 ) والواحدي في أسباب النزول ( ص / 344 ) .