تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ
: عطف على ( آمنوا ) ، داخل في حيز الصلة ، أي : إنما الكاملون في الإيمان : الذين آمنوا باللّه ورسوله عن صميم قلوبهم ، وأطاعوه في جميع الأحكام والأحوال المطردة الوقوع ، والأحوال الواقعة بحسب الاتفاق ، كما إذا كانوا معه - عليه الصلاة والسلام - على أمر مهم يجب الاجتماع في شأنه ؛ كالجمعة ، والأعياد ، والجهاد ، وتدريب الحروب ، وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع ،
لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ
، ويأذن لهم ، ولو كان الأمر يقوم بدونهم ، ليتميز المخلص من المنافق ، فإن ديدنه التسلل للفرار ، ولتعظيم الجرم ؛ لما في الذهاب بغير إذنه صلى اللّه عليه وسلّم من الخيانة . ولمّا أراد الحقّ تعالى أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بغير إذنه ، إذا كانوا معه على أمر جامع ، جعل ترك ذهابهم والصبر معه ، حتى يأذن لهم : ثالث الإيمان ، وجعل الإيمان برسوله كالسبب له ، والبساط لذكره ، وذلك مع تصدير الجملة ب « إنما ، ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا ؛ حيث أعاده على أسلوب آخر ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
، فقضى بأن المستأذنين هم المؤمنون خاصة . وفي « أولئك » : من تفخيم المستأذنين ، ما لا يخفى ،
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ
في الانصراف
لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ
أي : أمرهم المهم وخطبهم الملم .
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
لما علمت في ذلك من مصلحة وحكمة . وهذا بيان لما هو وظيفته صلى اللّه عليه وسلّم في هذا الباب ، إثر بيان ما هو وظيفة المؤمنين ، وأن الإذن منه - عليه الصلاة والسلام - ليس بأمر محتوم ، بل هو مفوّض إلى رأيه عليه الصلاة والسلام ، وفيه من رفع شأنه صلى اللّه عليه وسلّم ما لا يخفى . والفاء : لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي : بعد ما تحقق أن الكاملين في الإيمان هم المستأذنون .
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ
، فإن الاستئذان ، وإن كان لعذر ، فقد لا يخلو من شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة ، ففيه دليل على أن الصبر وترك الاستئذان أفضل .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
؛ مبالغ في غفران فرطات العباد ، وفي إفاضة آثار الرحمة عليهم . وما ذكره الحق تعالى في شأن الصحابة مع الرسول - عليه الصلاة والسلام - في شأن الاستئذان ينبغي أن يكون كذلك مع أئمتهم ومقدّميهم في العلم والدين ، لا يتفرقون عنهم إلا بإذن . والآية نزلت في الخندق ، كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان ، فنزلت « 1 » . وبقي حكمها عاما إلى يوم القيامة . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 110 ) لابن إسحاق وابن المنذر ، والبيهقي في الدلائل ، عن عروة ومحمد بن كعب القرظي .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 71 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان