تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
ياقوتتان ،
فَقالَ
لها ، استهزاء :
أَ لا تَأْكُلُونَ
من الطعام الذي وضع عندكم ،
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ
؟ . والجمع بالواو والنون ؛ لأنه خاطبها خطاب من يعقل .
فَراغَ عَلَيْهِمْ
؛ فمال إليهم سرا ، فضربهم
ضَرْباً بِالْيَمِينِ
أي : ضربا شديدا بالقوة ؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدّهما ، أو : بالقوة والمتانة ، أو : بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
« 1 » .
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ
؛ إلى إبراهيم
يَزِفُّونَ
: يسرعون ، من : الزفيف ، وهو الإسراع . وكان قد رآه بعضهم يكسرها . فأخبرهم ، فلما جاء من لم يره قال لمن رآه :
مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا
« 2 » فأجابوه على سبيل التعريض :
سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
« 3 » ، ثم قالوا بأجمعهم : نحن نعبدها وأنت تكسرها ؟ ، فأجابهم بقوله :
قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ
: ما تنجرونه بأيديكم من الأصنام ؟
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
أي : وخلق ما تعملونه من الأصنام . أو : « ما » مصدرية ، أي : وخلق أعمالكم . وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى ، أي : اللّه خالقكم وخالق أعمالكم ، فلم تعبدون غيره ؟ ! .
قالُوا ابْنُوا لَهُ
أي : لأجله
بُنْياناً
من الحجر ، طوله ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرون ذراعا ،
فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ
؛ في النار الشديدة : وقيل : كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم . فبنوه وملؤوه حطبا ، وأضرموه نارا ،
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
بإلقائه في النار ،
فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ
؛ المقهورين عند إلقائه ، حين خرج من النار سالما ، فعلاهم بالحجة والنصرة . قيل : ذكر أسفل ، هنا ؛ لمناسبة ذكر البناء ، بخلاف سورة الأنبياء « 4 » . الإشارة : كلّ عبد مأمور بكسر صنمه ، وهو : ما تركن إليه نفسه من حظ ، أو هوى ، أو علم ، أو عمل ، أو حال ، أو مقام . وفي الإشارات عن اللّه تعالى : لا تركنن لشئ دوننا ، فإنه وبال عليك ، وقاتل لك ، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك ، وإن أويت إلى العمل رددناه إليك ، وإن وثقت بالحال وقفناك معه ، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه ، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم ، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك ، فأىّ حيلة لك ، وأىّ قوة معك ؟ فارضنا لك ربا حتى نرضاك لنا عبدا . ه . ولا بأس أن يتعلل لنفسه ، ويحتال عليه بحيل ، كما تعلل الخليل للقعود لكسر الأصنام ، لعلها توافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه ، كما قال القائل « 5 » :
فاحتل على النفس قربّ حيله * أنفع في النصرة من قبيله .
هامش
( 1 ) الآية 57 من سورة الأنبياء . ( 2 ) الآية 59 من سورة الأنبياء . ( 3 ) الآية 60 من سورة الأنبياء . ( 4 ) في قوله تعالى :وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَالآية 70 . ( 5 ) وهو ابن البنا السرقسطي ، في المباحث الأصلية ( ص 505 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 607 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان