تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
ثم قال في قوله :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ . . .
الآية : وفي هذا إشارة للحكماء ، وأرباب القلوب ، مع العوامّ والأجانب عن هذه الطريقة ، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل ، وأهل الحقائق منهم أبدا في مقاساة الأذية ، إلا بستر حالهم عنهم ، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القرّاء المتعمقين ، والعلماء المتجمدين ، الذين هم لهذه الأصول منكرون . ه . ثم حذّر من الدنيا ؛ لأنها تنسى النّعم والشكر ، فقال :

[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 5 إلى 7 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 5 ) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 ) يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
بالبعث والجزاء
حَقٌّ
، أي : كائن لا محالة ، فاستعدوا للقائه ،
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
؛ لا تخدعنكم زخارف الدنيا الغرارة ، ولا يذهلنكم التمتع بها ، والتلذذ بملاذها ، والاشتغال بجمعها واحتكارها ، عن التأهب للقاء اللّه ، وطلب ما عنده . وفي الحديث : « فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية ، عن مراتب جنات عليه ، فكأن قد كشف القناع ، وارتفع الارتياب ، ولاقى كل امرئ مستقره ، وعرف مثواه ومنقلبه » .
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
أي : الشيطان ، فإنه يمنّيكم الأماني الكاذبة ، ويقول : إن اللّه غنى عن عبادتك وعن تكذيبك . أو : إن اللّه غفور لمن عصاه .
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
؛ ظاهر العداوة ، فعل بأبيكم ما فعل ، وأنتم تعاملونه معاملة الحبيب الناصح ،
فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
؛ فلا تقبلوا غروره في عقائدكم وأفعالكم ، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم ؛ إذ لا يوجد منه إلا ما يدل على عداوته في سركم وجهركم . قال الورتجبي : إنه عدو ؛ لأنه من عالم القهر خلق ، ونحن من عالم اللطف خلقنا . والطبعان متخالفان أبدا ، لأن القهر واللطف تسابقا في الأزل ، فسبق اللطف القهر ، فعداوته من جهة الطبع الأول ، والجهل بالعصمة ، وأنوار التأييد والنصرة ، ومن لا يعرفه بما وصفنا ، كيف يتخذه عدوا ؟ وهو لا يعرف مكائده ، ولا يعرف مكائده إلا ولىّ أو صدّيق . ه .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 518 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان