ثم بيّن أنه لا يطلب أجرا على الإنذار ؛ إزاحة للتهمة عنه ، فقال :
[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 47 ]
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 47 )
يقول الحق جل جلاله :
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ
عليه أي : على إنذارى وتبليغ الرسالة
مِنْ أَجْرٍ
، إذ لو كنت كذلك لا تهمتمونى أنى أطمع في أموالكم . وما طلبت من ذلك
فَهُوَ لَكُمْ
، ومعناه : نفى سؤاله الأجر رأسا . نحو : ما لي في هذا فهو لك ، وما تعطني تصدق به على نفسك .
إِنْ أَجْرِيَ
في ذلك
إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
فيعلم أنى لا أطلب الأجر في نصيحتكم ، ودعائكم إليه ، إلا منه تعالى .
الإشارة : تقدم مرارا أن الدعاة إلى اللّه ينبغي لهم أن يتنزّهوا عن الطمع في الناس جهدهم ، ولو اضطروا إلى ذلك ؛ إذ لا يقع النفع العام على أيديهم إلا بعد الزهد التام ، والتعفف التام عما في أيدي الناس ، فإذا تحققوا بهذا الأمر جعلهم اللّه حجة ، يدمغ بهم على الباطل ، كما قال تعالى :
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 48 إلى 50 ]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 48 ) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ( 49 ) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 )
يقول الحق جل جلاله :
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ
أي : بالوحي ، فيرمى به على الباطل ، من الكفر وشبهه ، فيدمغه ، أو : يرمى به إلى أقطار الآفاق ، فيكون وعدا بإظهار الإسلام ، أو : يلقيه وينزله إلى أنبيائه .
والقذف : رمى السهم ونحوه بدفع واعتماد ، ويستعار لمطلق الإلقاء ، ومنه :
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ *
« 1 » . تم وصف الرب بقوله :
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
أي : هو علام الغيوب .
قُلْ جاءَ الْحَقُّ
أي : الإسلام ، أو : القرآن ،
وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
أي : زال الباطل وهلك ، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي ، فعدمهما عين الهلاك ، والمعنى : جاء الحق وهلك الباطل ، كقوله :
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
« 2 » قال الكواشي : المعنى : ذهب الباطل لمجىء الحق ، فلم يبق له بقية حتى يبدئ شيئا أو يعيده . ثم
هامش
( 1 ) من الآية 26 من سورة الأحزاب .
( 2 ) الآية 81 من سورة الإسراء .