تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
ثم بيّن أن من كان في نور الطاعة والإحسان ، ليس كمن كان في ظلمة الكفر والعصيان ، فقال .

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 18 إلى 20 ]

أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 ) يقول الحق جل جلاله :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً
باللّه ورسله
كَمَنْ كانَ فاسِقاً
؛ خارجا عن الإيمان ،
لا يَسْتَوُونَ
أبدا عند اللّه تعالى . وأفرد ، أولا ؛ مراعاة للفظ « من » ، وجمع ثانيا مراعاة لمعناها . ثم فصّل حالهم بقوله :
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى
أي : المسكن الحقيقي ، وأما الدنيا ، فإنها منزل انتقال وارتحال ، لا محالة ، وقيل : المأوى : جنة من الجنان . قال ابن عطية : سميت جنة المأوى لأن أرواح المؤمنين تأوى إليها . ه . أي : في الدنيا ؛ لأنها في حواصل طير خضر ، كما ورد في الشهداء ، وأما الصدّيقون فإنها تشكل على صور أجسادها ، تسرح حيث شاءت .
نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي : عطاء معجلا بأعمالهم . والنزل : ما يقدم للنازل ، ثم صار عاما .
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ
أي : هي ملجأهم ومنزلهم ،
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها
، فلا خروج منها ، ولا موت ،
وَقِيلَ
لهم :
ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
، هذا دليل على أن المراد بالفاسق : الكافر ؛ إذ التكذيب يقابل الإيمان . قال ابن جزى : فإن قيل : لم وصف ، هنا ، العذاب ، وأعاد عليه الضمير ، ووصف ، في سبأ ، النار وأعاد عليها الضمير ، فقال :
عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
« 1 » ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أنه خص العذاب في السجدة بالوصف ؛ اعتناء به ؛ لمّا تكرر ذكره في قوله :
لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ . .
، الثاني : أنه تقدم في السجدة ذكر النار ، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ المضمر ، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر ، فكما لا يوصف المضمر ؛ لم يوصف ما قام مقامه ، وهو النار ، فوصف العذاب ، ولم يصف النار ، الثالث - وهو الأقوى : أنه امتنع في السجدة وصف النار ، فوصف
هامش
( 1 ) من الآية 42 من سورة سبأ .