قلت : ( يريكم البرق ) : فيه وجهان ، أحدهما : إضمار « أن » ؛ كما في حرف ابن مسعود ، والثاني : تنزيل الفعل منزلة المصدر ، كما قيل في قولهم ، في المثل : « تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه » . أي : إن تسمع ، أو : سماعك .
و ( خوفا وطعما ) : مفعولان له ؛ على حذف مضاف ، أي : إرادة خوف ، وإرادة طمع ، أو : على الحال ، أي : خائفين وطامعين . و ( إذا دعاكم ) : شرطية ، و ( إذا ) ، الثانية ؛ فجائية ، نابت عن الفاء . و ( من الأرض ) : يتعلق بدعاكم .
يقول الحق جل جلاله :
وَمِنْ آياتِهِ
الدالة على باهر قدرته
خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. قال القشيري : السماوات في علّوها ، والأرض في دنوّها ، هذه بنجومها وكواكبها ، وهذه بأقطارها ومناكبها ، هذه بشمسها وقمرها ، وهذه بمائها ومدرها ، واختلاف لغات أهلها في الأرض ، واختلاف تسبيح الملائكة - عليهم السلام - الذين هم سكان السماء . ه .
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
باختلاف اللغات ، وبأجناس النطق وأشكاله ،
وَأَلْوانِكُمْ
، كالسواد والبياض وغيرهما ، حتى لا تكاد تجد شخصين متوافقين ؛ إلا وبينهما نوع تخالف في اللسان واللون ، وباختلاف ذلك وقع التعارف والتمايز ، فلو توافقت وتشاكلت لوقع التجاهل والالتباس ، ولتعطلت المصالح . وفي ذلك آية بينة ، حيث ولدوا من أب واحد ، وهم على كثرتهم متفاوتون .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ
؛ بفتح اللام وكسره « 1 » . ويشهد للكسر قوله تعالى :
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
« 2 » .
قال القشيري : واختصاص كلّ شئ من هذه ببعض جائزات حكمها ؛ شاهد عدل ، ودليل صدق ، يناجى أفكار المستيقظين ، وتنادى على أنفسها : أنها ، بأجمعها ، بتقدير العزيز العليم . ه .
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ
، أي : منامكم بالليل ، وابتغاؤكم من فضله بالنهار ، أو : منامكم في الزمانين ، وابتغاؤكم من فضله فيهما ، وهو حسن ؛ لأنه إذا طال النهار يقع النوم فيه ، وإذا طال الليل يقع الابتغاء فيه .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
؛ سماع تدبر ، بآذان واعية . قال القشيري :
غلبة النوم لصاحبه من غير اختيار ، وانتباهه بلا اكتساب ، يدلّ على موته ثم بعثه ، ثم في حال منامه يرى ما يسرّه وما يضرّه يدل على حاله في قبره . اللّه أعلم كيف حاله ، في أمره ، فيما يلقاه من خيره وشره . ه . « 3 »
هامش
( 1 ) قرأ حفص : بكسر اللام قبل الميم ، جمع « عالم » ، ضد الجاهل ، وقرأ الباقون : بفتح اللام ؛ جمع « عالم » . انظر الإتحاف ( 2 / 356 ) .
( 2 ) من الآية 43 من سورة العنكبوت .
( 3 ) بالمعنى .