تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
ثم ذكّرهم بما أنعم عليهم ، ليشكروا ، فقال :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 67 إلى 68 ]

أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 ) يقول الحق جل جلاله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي : أهل مكة
أَنَّا جَعَلْنا
بلدهم
حَرَماً
أي : ممنوعا مصونا من الهبب ،
آمِناً
؛ يأمن كل من دخله ، أو آمنا أهله من القتل والسبي ،
وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
أي : يخطف بعضهم بعضا ، قتلا وسبيا ، إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب ،
أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ
؛ أبعد هذه النعمة العظمى يؤمنون بالأصنام ويعبدونها ، أو : الشيطان ،
وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ
؛ حيث أشركوا به غيره ، أو بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ هو النعمة المهداة ، أو : الإسلام . وتقديم المعمولين ؛ للاهتمام ، أو للاختصاص .
وَمَنْ أَظْلَمُ
أي : لا أحد أظلم
مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
؛ بأن جعل له شريكا ،
أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ
؛ الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أو : الكتاب ،
لَمَّا جاءَهُ
أي : لم يتلعثموا في تكذيبه لمّا سمعوه ، وفي « لمّا » المقتضية للاتصال ، تسفيه لرأيهم ، حيث لم يتوقفوا ولم يتأملوا قط حين جاءهم ، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه .
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً
؛ مقاما
لِلْكافِرِينَ
، وهو تقرير لمثواهم في جهنم ، لأن همزة الإنكار ، إذا دخلت على النفي ، صار إثباتا ، كقوله : ألستم خير من ركب المطايا « 1 » أي : أنتم خير من ركب المطايا ، والتقدير : ألا يستوجبون الثوى فيها ؟ وقد افتروا مثل هذه العظيمة ، كذبوا على اللّه وكذّبوا بالحق الذي جاء من عنده ، أو : ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين ؟ حين اجترءوا مثل هذه الجرأة ، بل لهم فيها مثوى وإقامة . وهذه الآية في مقابلة قوله :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
« 2 » . لا سيما في قراءة الثاء . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) هذا شطر بيت . . وبقيته : وأندى العالمين بطون راح ؟ ( 2 ) من الآية 58 من سورة العنكبوت .