تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ
أي : بيوتا لستم تملكونها ولا تسكنونها ،
حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
؛ تستأذنوا ، وقرئ به ، والاستئناس : الاستعلام والاستكشاف ، استفعال ، من أنس الشيء : أبصره ، فإن المستأذن مستعلم للحال ، مستكشف له ، هل يؤذن له أم لا ، ويحصل بذكر اللّه جهرا ، كتسبيحة أو تكبيرة . أو تنحنح ،
وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
، بأن يقول : السلام عليكم ، أأدخل ؟ ثلاث مرات ، فإذا أذن له ، وإلا رجع ، فإن تلاقيا ، قدّم التسليم ، وإلا ، فالاستئذان .
ذلِكُمْ
أي : التسليم
خَيْرٌ لَكُمْ
من أن تدخلوا بغتة ، أو من تحية الجاهلية . كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول : حييتم صباحا ، حييتم مساء ، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف . روى أن رجلا قال للنبي صلى اللّه عليه وسلّم : أأستأذن على أمي ؟ قال : نعم ، قال : ليس لها خادم غيرى ، أأستاذن عليها كلما دخلت ؟ قال صلى اللّه عليه وسلّم : « أتحبّ أن تراها عريانة . . ؟ » « 1 » .
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
أي : أمرتكم به ، أو : قيل لكم هذا ؛ لكي تتعظوا وتعملوا بموجبه .
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها
؛ في البيوت
أَحَداً
ممن يستحق الإذن ، من الرجال البالغين ، وأما النساء والولدان فوجودهم وعدمهم سواء « 2 » ،
فَلا تَدْخُلُوها
، على أن مدلول الآية هو النهى عن دخول البيوت الخالية ؛ لما فيه من الاطلاع على ما يعتاد الناس إخفاءه ، وأما حرمة دخول ما فيه النساء والولدان فمن باب الأولى ؛ لما فيه من الاطلاع على الحريم وعورات النساء . فإن لم يؤذن لكم فلا تدخلوا ، واصبروا
حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ
من جهة من يملك الإذن ، أو : فإن لم تجدوا فيها أحدا من أهلها ، ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها ؛ لأن التصرف في ملك الغير لا بد أن يكون برضاه .
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا
أي : إذا كان فيها قوم ، وقالوا : ارجعوا
فَارْجِعُوا
ولا تلحّوا في طلب الإذن ، ولا تقفوا بالأبواب ، ولا تخرقوا الحجاب ؛ لأن هذا مما يوجب الكراهية والعداوة ، وإذا نهى عن ذلك ؛ لأدائه إلى
هامش
( 1 ) الحديث أخرجه مالك في الموطأ ( الاستئذان ، باب الاستئذان ) ، وأبو داود في مراسيله ( باب الاستئذان ) وابن جرير في التفسير ( 18 / 111 ) ، عن عطاء بن يسار ، مرسلا ؛ وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ( النكاح 4 / 398 ) ، عن زيد بن أسلم ؛ مرسلا ، أيضا . ( 2 ) هذا الرأي ، غير مسلم به ، فالنساء ، قطعا ، يدخلن تحت مفهوم « أحد » ، وكذلك الولدان المميزون ، فكيف نقول : وجودهم وعدمهم سواء ؟ ثم إنه من الثابت في السنة الصحيحة أنه يجوز الدخول على المغيبة [ أي : التي زوجها غائب في سفر أو غزو ، أو نحو ذلك ، ] فيجوز الدخول عليها بشرط وجود رجلين أو ثلاثة فما أكثر ، والدخول يحتاج إلى استئناس واستئذان . . إلخ . فدّل هذا على أن كلام المفسر ، هو رأى خاص به ، وليس حكما شرعيا .