وقوله تعالى :
مِنَ الشَّجَرَةِ
؛ أي : نودي منها حقيقة ؛ إذ ليس في الوجود إلا تجليات الحق ومظاهره ، فيكلم عباده من حيث شاء منها . قال في العوارف : الصوفي ؛ لتجرده ، يشهد التالي كشجرة موسى ، حيث أسمعه اللّه خطابه منها ، بأني أنا اللّه لا إله إلا أنا . ه . فأهل التوحيد الخاص لا يسمعون إلا من اللّه ، بلا واسطة ، قد سقطت الوسائط في حقهم ، حين غرقوا في بحر شهود الذات ، فافهم . وقال في القوت : كانت الشجرة وجهة موسى عليه السّلام ، كلمه اللّه عز وجل منها ، كما قال بعضهم : إن قوله تعالى :
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
« 1 » ، أي : بالجبل ، كان الجبل من جهة الحس حجابا لموسى ، كشفه اللّه عنه ، فتجلى به ، كما قال :
مِنَ الشَّجَرَةِ
؛ فكانت الشجرة وجهة له عليه السّلام ه ، بإيضاح . واللّه تعالى أعلم .
ثم ذكر اعتذار موسى ، وطلبه الإعانة بأخيه ، فقال :
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 33 إلى 35 ]
قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 )
يقول الحق جل جلاله :
قالَ
موسى - لما كلف بالرسالة إلى فرعون :
رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
بها ،
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً
؛ أي : عونا . يقال : ردأته :
أعنته . وقرأ نافع : بالتخفيف ،
يُصَدِّقُنِي
: جواب الأمر ، ومن رفعه ؛ جعله صفة لردء ، أي : ردءا مصدقا لي .
ومعنى تصديقه : إعانته بزيادة البيان ، في مظان الجدال ، إن احتاج إليه ؛ ليثبت دعواه ، لا أن يقول له : صدقت ، ففضل اللسان إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان ، وأما قوله : صدقت ؛ فسحبان وبأقل فيه مستويان .
إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
في دعوى الرسالة .
قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ
أي : سنقويك به ؛ إذ اليد تشد بشدة العضد ؛ لأنه قوام اليد ، فشد العضد كناية عن التقوية ؛ لأن العضد ، إذا اشتد ، قوي على محاولة الأمور ، أي : سنعينك بأخيك ،
وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً
؛ غلبة وتسلطا وهيبة في قلوب الأعداء ،
فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما ، بِآياتِنا
؛ بسبب آياتنا ، القاهرة لهم عن التسلط
هامش
( 1 ) من الآية 107 من سورة الأعراف ، ومن الآية 32 من سورة الشعراء .