تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ
، أي : اتخذه أجيرا لرعى الغنم . روى أن كبراهما كانت تسمى : « صفراء » ، والصغرى : « صفيراء » ، وقيل : « صابورة » و « ليا » . وصفراء هي التي ذهبت به ، وطلبت إلى أبيها أن يستأجره ، وهي التي تزوجها . قاله وهب بن منبه وغيره ، فانظره مع ما في الحديث ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « تزوج صغراهما ، وقضى أوفاهما » « 1 » . ويمكن الجمع بأن يكون زوّجه إحداهما ثم نقله إلى الأخرى . ثم قالت التي طلبت استئجاره :
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
، فقال : ما أعلمك بقوته وأمانته ؟ فذكرت نزع الدلو ، أو رفع الحجر عن البئر ، وأمرها بالمشي خلفه . وفي رواية عند الثعلبي : أما قوته : فإنه عمد إلى صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلا ، فرفعها عن فم البئر . ثم ذكرت أمر الطريق . وقولها :
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ . .
إلخ : كلام جامع ؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان ؛ الكفاية والأمانة ، في القائم بأمرك ، فقد فرغ بالك وتم مرادك . وقيل : القوى في دينه ، الأمين في جوارحه . وقد استغنت بهذا الكلام ، الجاري مجرى المثل ، عن أن تقول : استأجره لقوته وأمانته . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه : أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب ، وصاحب يوسف في قوله :
عَسى أَنْ يَنْفَعَنا
« 2 » ، وأبو بكر في استخلافه عمر .
قالَ
شعيب لموسى - عليهما السلام - :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ
: أزوجك
إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ
، وقوله :
هاتَيْنِ
يدل على أن له غيرهما . وهذه مواعدة منه ، لا عقد ، وإلا لقال : أنكحتك .
عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي
أي : تكون أجيرا لي ، من أجرته : إذا كنت له أجيرا
ثَمانِيَ حِجَجٍ
؛ سنين ، والحجة : السنة . والتزوج على رعى الغنم جائز في شرعنا ، على خلاف في مذهبنا .
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً
أي : عشر حجج
فَمِنْ عِنْدِكَ
أي : فذلك تفضل منك ، ليس بواجب عليك ، أو : فإتمامه من عندك ، ولا أحتمه عليك .
وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
بإلزام أتم الأجلين . من المشقة ،
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
في حسن المعاملة ، والوفاء بالعهد ، أو مطلقا . وعلق بالمشيئة ، مراعاة لحسن الأدب مع الربوبية .
قالَ
موسى عليه السّلام :
ذلِكَ
العهد وعقد الأجرة
بَيْنِي وَبَيْنَكَ
أي : ذلك الذي قلته ، وشارطتنى عليه ، قائم بيننا جميعا ، لا يخرج واحد منا عنه . ثم قال :
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
أي : أىّ الأجلين ؛ قضيت من
هامش
( 1 ) أي : تزوج صغرى البنتين ، وقضى أوفى الأجلين ، وهو عشر سنوات . وأما الحديث فقد أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ( 2 / 128 ) . عن أبي ذر . والجزء الثاني من الحديث أخرجه البخاري بلفظ : « قضى أكثرهما وأطيبهما » وانظر تخريجه في الصفحة بعد التالية . ( 2 ) كما في الآية 21 من سورة يوسف .