تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
فرأى ذلك الإسرائيلى يقاتل فرعونيا آخر ، يريد أن يسخره ، فاستغاث به الإسرائيلى على الفرعوني ، فوافق موسى نادما على القتل ، فقال للإسرائيلى : إنك لغوى مبين « 1 » .
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ
موسى
أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي
؛ بالقبطي الذي
هُوَ عَدُوٌّ لَهُما
؛ لموسى وللإسرائيلى ؛ لأنه ليس على دينهما ، أو : لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل ، أي : فلما مدّ موسى يده ؛ ليبطش بالفرعوني ، خشي الإسرائيلى أن يريده ، حين قال :
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
، فقال :
يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ
، يعنى : القبطي ،
أَنْ
؛ ما
تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً
؛ قتالا بالغضب ،
فِي الْأَرْضِ
؛ أرض مصر ،
وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ
في كظم الغيظ . وقيل : القائل :
يا مُوسى أَ تُرِيدُ . . .
إلخ ، هو القبطي ، ولم يعلم أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس ، ولكن لما قصد أن يمنعه من الإسرائيلى استدل على أن الذي قتل صاحب هذا الرجل بالأمس هو موسى ، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس ، فأمسك موسى عنه ، ثم أخبر فرعون بذلك ؛ فأمر بقتل موسى .
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
؛ من آخرها ، واسمه : « حزقيل بن حبورا » ، مؤمن آل فرعون ، وكان ابن عم فرعون ،
يَسْعى
: يسرع في مشيه ، أو : يمشى على رجله ،
قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ
، أي : يتشاورون في قتلك ، ويأمر بعضهم بعضا بذلك . والائتمار : التشاور ،
فَاخْرُجْ
من المدينة ،
إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ
، فاللام في ( لك ) : للبيان ، وليس بصلة ؛ لأن الصلة لا تتقدم على الموصول ، إلا أن يتسامح في المجرور ،
فَخَرَجَ مِنْها
؛ من مصر
خائِفاً يَتَرَقَّبُ
: ينتظر الطلب ويتوقعه ،
قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
؛ قوم فرعون . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : في الآية دليل على أن الخوف عند الدواهي الكبار لا ينافي الخصوصية ؛ لأنه أمر جبلّى ، لكنه يخف ويهون أمره ، وفيها دليل على جواز الفرار من مواطن الهلاك ، يفرّ من اللّه إلى اللّه ، ولا ينافي التوكل ، وقد اختفى صلى اللّه عليه وسلم من الكفار بغار ثور ، واختفى الحسن البصري من الحجّاج ، عند تلميذه حبيب العجمي . وفيها أيضا دليل على أن المعصية قد تكون سببا في نيل الخصوصية ، كأكل آدم من الشجرة ، كان سببا في نيل الخلافة ، وعمرة الأرض ، وما نشأ من صلبه من الأنبياء والأولياء وجهابذة العلماء ، وكقتل موسى عليه السّلام نفسا لم يؤمر بقتلها ، كان سببا في خروجه للتربية عند شعيب عليه السّلام ، وتهيئته للنبوة والرسالة والاصطفائية ، فكل ما يوجب التواضع والانكسار يورث التقريب عند الملك الغفار ، والحاصل : أن من سبقت له العناية ، ونال في الأزل مقام المحبوبية ؛
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 6 / 198 ) .