تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
اللّه
فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ
؛ لانقطاعهم عن الجواب بالكلية ، وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم ، يشغلهم العذاب عن النطق والاعتذار . ثم ذكر دلائل قدرته على البعث ، وما ينشأ بعد ذلك ، بقوله :
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ
، الرؤية هنا قلبية ، أي : ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم والقرار .
وَالنَّهارَ مُبْصِراً
أي : يبصروا ، بما فيه من الإضاءة ، طرق التقلب في أمور المعاش . وبولغ فيه ، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس ، حالا له ، ووصفا من أوصافه ، بحيث لا ينفك عنها ، ولم يسلك في الليل هذا المسلك ؛ لأن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير النهار في الإبصار . قاله أبو السعود . . قلت : وقد جعله كذلك في قوله :
وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً
« 1 » فانظره .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
كثيرة
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
؛ يصدّقون ، فيعتبرون ، فإنّ من تأمل في تعاقب الليل والنهار ، واختلافهما على وجوه بديعة ، مبنية على حكم رائقة ، تحار في فهمها العقول ، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل ، المحاكية للموت ، بضياء النهار ، المضاهي للحياة ، وعاين في نفسه غلبة النوم ، الذي هو يضاهى الموت ، وانتباهه منه ، الذي هو يضاهى البعث ، قضى بأن الساعة آتيه لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور . قال لقمان لابنه : يا بنى إن كنت تشك في الموت فلا تنم ، فكما أنك تنام قهرا ؛ كذلك تموت ، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه ، فكما أنك تنتبه بعد نومك ؛ كذلك تبعث بعد موتك ه . وباللّه التوفيق . الإشارة : يوم نحشر من كل أمة فوجا ينكر على أهل الخصوصية ، ممن يكذب بآياتنا ، وهم العارفون بنا ، الدالون علينا ، المعرّفون بنا ، فهم يوزعون : يجمعون للعتاب ، حتى إذا جاءوا إلينا بقلب سقيم ، قال : أكذّبتم بأوليائي ، الدالين على حضرتي ، بعد التطهير والتهذيب ، ولم تحيطوا بهم علما ، منعكم من ذلك حب الرئاسة والجاه ، أم ماذا كنتم تعملون ؟ . ووقع القول عليهم بالبقاء مع عامة أهل الحجاب ، فهم لا ينطقون ، ولا يجدون اعتذارا يقبل منهم . ألم يعلموا أنهم يموتون على ما عاشوا عليه ، ويبعثون على ما ماتوا عليه ، فهلّا صحبوا أهل اليقين الكبير ، - وهو عين اليقين أو حق اليقين ، المستفاد من شهود الذات الأقدس - فيكتسبوا منهم اليقين ، حتى يموتوا على اليقين ويبعثوا على اليقين . وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) من الآية 96 من سورة الأنعام . وقد سار المفسر على قراءة « جاعل » .