أمرى الذي أريد أن أفعله ، ما كنت قاطعة أمرا من الأمور ، التي تتجلى في القلب ، حتى تشهدون ، وتشهدوا أنه رشد وحق ، قالوا : نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ، والأمر إليك ، حيث تطهرت ، فانظري ماذا تأمرين ؛ لأن النفس إذا تزكت وتخلصت وجب تصديقها فيما تهتم به ، قالت : إن الملوك - أي : الواردات الإلهية التي تأتى من حضرة القهار ، إذا دخلوا قرية ، أي : قلب نفس ، أفسدوا ظاهرها بالتخريب والتعذيب ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، أي : أبدلوا عزها ذلا ، وجاهها خمولا ، وغناها من الدنيا فقرا ، وكذلك يفعلون .
وفي الحكم العطائية : « متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك ، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون » . فكل وارد نزل بالإنسان ولم يغير عليه عوائده فهو كاذب ، قال في الحكم : « لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته ، فليس المراد من السحابة الأمطار ، وإنما المراد منها وجود الأثمار » .
وباللّه التوفيق .
ثم أشارت عليهم بإرسال الهدية لسليمان ، كما قال تعالى :
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 35 إلى 37 ]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 ) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ( 37 )
يقول الحق جل جلالهفى حكاية بلقيس - وكانت سيسة ، قد سيست وساست ، فقالت لقومها :
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ
؛ سليمان وقومه ،
بِهَدِيَّةٍ
أصانعه بذلك عن ملكي ، وأختبره ، أملك هو أم نبي ؟
فَناظِرَةٌ
؛ فمنتظرة
بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
؛ بأي شئ يرجعون ، بقبولها أم بردها ؛ لأنها عرفت عادة الملوك ، وحسن موقع الهدايا عندهم ، فإن كان ملكا قبلها وانصرف . وإن كان نبيا ردها ، ولم يقبل منا إلا أن نتبعه على دينه ، فبعثت خمسمائة غلام ، عليهم ثياب الجواري وحليهن ، راكبين خيلا ، مغشاة بالديباج ، محلّاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجوهر ، وخمسمائة جارية على رماك « 1 » في زي الغلمان ، وألف لبنة من ذهب وفضة ، وتاجا مكللا بالدر والياقوت ، وحقا فيه دره عذراء ، وخرزة جزعية مثقوبة ، معوجّة الثقب ، وأرسلت رسلا ، وأمّرت عليهم المنذر ابن عمرو ، وكتبت كتابا فيه نسخة الهدية . وقالت فيه : إذ كنت نبيا فميّز بين الوصفاء والوصائف ، وأخبر بما في
هامش
( 1 ) الرماك : جمع رمكة ، وهي أنثى البغال . راجع اللسان ( رمك 3 / 1733 ) .