تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
قال تعالى :
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
أي : تفقد مكث سليمان حين تفقد الهدهد ، وأرسل من ورائه غير زمان بعيد ، وهو من الظهر إلى العصر - كما تقدم - أو : فمكث الهدهد في غيبته غير بعيد ، خوفا من سليمان ، فالضمير إما لسليمان ، أو : للهدهد ، وهو الظاهر ، ويرجحه قراءة : ( فتمكث ) . وفي « مكث » لغتان : الضم والفتح . ولما قدم من غيبته ، أحضر بين يديه ، على الهيئة المتقدمة ، ثم سأله عن غيبته ،
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
أي : أدركت علما لم تحط به أنت ، ألهم اللّه الهدهد فكافح « 1 » سليمان بهذا الكلام ، مع ما أوتى من فضل النبوة والعلوم الجمة ، ابتلاء له عليه السّلام في علمه ، وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفهم من أحاطه اللّه علما بما لم يحط به ؛ لتتصاغر إليه نفسه ، ويصغر في عينه علمه ، في جانب علم اللّه ، رحمة به ولطفا في ترك الإعجاب ، الذي هو فتنة العلماء . ثم قال :
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ
- بالصرف - اسما للحىّ ، أو : للأب الأكبر ، وبعدمه اسما للقبيلة .
بِنَبَإٍ يَقِينٍ
، والنبأ : الخبر الذي له شأن . وقوله :
مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ
من محاسن الكلام ، ويسمى البديع . وقد حسن وبرع لفظا ومعنى ، حيث فسر إبهامه بأبدع تفسير ، وأراه أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة . وعبّر عما جاء به بالنبإ ، الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير ، ووصفه بما وصفه به .
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ
؛ هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ ، وتفسير له إثر الإجمال . وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان . وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها ، ورث الملك من أربعين أبا . وقيل : كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكا عظيم الشأن ، ملك أرض اليمن كلها ، وأبى أن يتزوج منهم ، فزوجوه امرأة من الجن ، يقال لها « ريحانة » فولدت له بلقيس ، ولم يكن له ولد غيرها . قال أبو هريرة : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « كان أحد أبوى بلقيس جنيا » « 2 » فمات أبوها ، فاختلف قومه فرقتين ، وملّكوا أمرهم رجلا قائما بسيرته ، حتى فجر بحرم رعيته ، فأدركت بلقيس الغيرة ، فعرضت عليه نفسها ، فتزوجته ، فسقته الخمر ، فسكر ، فجزت رأسه ، ونصبته على باب دارها فملكوها « 3 » .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
تحتاج إليه الملوك ، من العدة والآلة ،
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
: كبير ، قيل : كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا ، وقيل : كان ثمانين ذراعا في ثمانين ، وطوله في الهواء : ثمانون . وكان من ذهب وفضة ، مرصعا بأنواع الجواهر ، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ، ودرّ ، وزبرجد ، وعليه سبعة أبيات ، في كل بيت
هامش
( 1 ) كافحه مكافحة وكفاحا : واجهه . انظر اللسان ( مادة كفح 5 / 3897 ) ( 2 ) أخرجه الطبري في التفسير ( 19 / 169 ) وزاد السيوطي عزوه في الدر ( 5 / 198 ) لأبى الشيخ في العظمة ، وابن عساكر ، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ( 20 / 21 ) : هذا حيث غريب ، وفي سنده ضعف . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 6 / 156 ) .