تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة ، فأدخله الحجاج بيتا ، وأغلق عليه بابه ، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما ، ولم يشك أنه مات ، فوجده قائما يصلى ، فقال : يا فاسق ، تصلى بغير وضوء ؟ فقال : إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب ، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها . ه . ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا ، وكان يسفّ من السبت إلى السبت كفا من الرمل . ه . وهذا من باب الكرامة ، فلا يجب طردها ، وقد تكون بالرياضة ، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر دعاء إبراهيم عليه السّلام ، فقال :

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 83 إلى 89 ]

رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 ) يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السّلام :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
أي : حكمة ، أو حكما بين الناس ، أو نبوة ؛ لأن النبي ذو حكم بين عباد اللّه .
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
أي : الأنبياء ، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة ، وصلحت سرائرهم للحضرة ، ولقد أجابه بقوله :
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ *
.
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
أي : ثناء حسنا ، وذكرا جميلا في الأمم التي تجىء بعدي ، فأعطى ذلك ، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه ، ووضع اللسان موضع القول ؛ لأن القول يكون به . أو : واجعلني على طريق قويم ، وحال مرضى ، يقتدى بي فيهما ، ويحمد أثرى بعد موتى ، كما قيل :
موت التقىّ حياة لا فناء لها * قد مات قوم وهم في الناس أحياء .
وقد تحقق له جميع ذلك ، وخصوصا في هذه الأمة ، حتى إنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال بعضهم : سأل أن يجعله صالحا ، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا . وقيل : سأل الإمامة في التوحيد والدين ، وقد أجيب بقوله :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
« 1 » ه
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
أي : اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم ، أي : الباقين فيها ،
وَاغْفِرْ لِأَبِي
، أي : اجعله أهلا للمغفرة ، بإعطاء الإسلام ؛
إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
: الكافرين ، أو : اغفر له على حاله .
هامش
( 1 ) من الآية 124 من سورة البقرة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 143 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان