تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين ، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده ؛ مكابرة وتجاهلا وتعاميا ، طلبا للرئاسة ، كما قال تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
، أي : أىّ شئ رب العالمين ، الذي ادعيت أنك رسوله ، منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره ، حسبما يعرب عنه قوله :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
« 1 » ، وقوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
« 2 » . أو : فما صفته ، أو حقيقته ؟
قالَ
موسى : هو
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
أي : ما بين الجنسين ،
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
أي : إن كنتم موقنين بالأشياء ، محققين لها ، علمتم ذلك ، أو : إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء ، فهذا أولى بالإيقان ؛ لظهور دليله وإنارة برهانه .
قالَ
فرعون ، عند سماع جوابه عليه السّلام ، خوفا من تأثيره في قلوبهم ،
لِمَنْ حَوْلَهُ
من أشراف قومه ، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة :
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
، أنا أسأله عن الماهية ، وهو يجيبني بالخاصية . ولما كانت ماهية الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها ، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية . ثم
قالَ
عليه السّلام :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
أي : هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين ، أي : وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية ، وإنما قال :
وَرَبُّ آبائِكُمُ
؛ لأن فرعون كان يدعى الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم .
قالَ
فرعون :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
؛ حيث يزعم أن في الوجود إلها غيرى ، أو : حيث لا يطابق جوابه سؤالي ؛ لأنى أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية ،
قالَ
موسى عليه السّلام :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم . وهذا غاية الإرشاد ، حيث عمم أولا بخلق السماوات والأرض وما بينهما ، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم ؛ لأنّ أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ، ومن ولد منه ، وما شاهد من أحواله ، من وقت ميلاده إلى وفاته ، ثم خصّص المشرق والمغرب ؛ لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر ، على تقدير مستقيم وحساب مستو ، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية ، ووجوب وجودها . أو : تقول : لما سأله عن ماهية الربوبية ؛ جهلا ؛ فأجابه ، بالخاصية ، قال
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
؟ فعاد موسى إلى مثل قوله ، فجنّنه فرعون ، زاعما أنه حائد عن الجواب ، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود ، الفرد الصمد ، لا يدرك بالكنه ، إنما يعرف بالصفات ، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص ، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق . ولذلك قال :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
، أي : إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق .
هامش
( 1 ) من الآية 24 من سورة النازعات . ( 2 ) من الآية 38 من سورة القصص .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 130 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان