تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
ما عداها أولى ، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر .
وَيَقُولُ
أي : يقلب وهو يقول :
يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
، كأنه تذكر موعظة أخيه ، وعلم أنه إنما أتى من قبل شركه ، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه .
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ
: جماعة
يَنْصُرُونَهُ
: يقدرون على نصره ؛ بدفع الهلاك عن أمواله ،
مِنْ دُونِ اللَّهِ
، فإنه القادر على ذلك وحده ،
وَما كانَ مُنْتَصِراً
أي : وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه .
هُنالِكَ
؛ في ذلك المقام ، وفي تلك الحال
الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
أي : النصرة له وحده ، لا يقدر عليها أحد غيره ، وقرئ : « الحق » ؛ بالكسر ، صفة للّه ، وبالرفع ، نعت للولاية . ويحتمل أن يكون :
هُنالِكَ
ظرفا لمنتصرا ، أي : وما كان ممتنعا من انتقام اللّه منه في ذلك الوقت ، ففيه تنبيه على أن قوله :
يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ
: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه ، فلذلك لم ينفعه ، كقوله تعالى :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
« 1 » . وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال :
الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
أي : الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من اللّه لأوليائه في الدنيا والآخرة ، لا يخذلهم في حال من الأحوال ، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم ، كما هو شأن من اعتز باللّه ، دون من اعتز بغيره ، فقوله :
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ
: رد لقوله :
وَأَعَزُّ نَفَراً
؛ أي : بل النصرة للّه لأوليائه ، دون من تولى غيره . والحاصل : أن من تولى اللّه فعاقبته النصرة ، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان . والعياذ باللّه . ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة ، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة ، فقال :
هُنالِكَ
عند ذلك ، يعنى : يوم القيامة
الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
؛ يتولون اللّه ويؤمنون به ، ويتبرأون مما كانوا يعبدون ،
هُوَ خَيْرٌ ثَواباً
أي : خير من يرجى ثوابه ،
وَخَيْرٌ عُقْباً
أي : عاقبة لأوليائه . والعقب : العاقبة ، يقال : عاقبة كذا وعقباه وعقبه ، أي : آخره . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد ضرب اللّه مثلا لمن عكف على هواه ، وقصر همته على زخارف دنياه ، ولمن توجه بهمته إلى مولاه ، وقدّم دنياه لأخراه ، فكان عاقبة الأول : الندم والخسران ، وعاقبة الثاني : الهنا والرضوان ، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه ، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه . قال في لطائف المنن : لا تدخل جنة علمك وعملك ، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل ، فأخبر اللّه عنه بقوله :
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً . . .
الآية . ولكن أدخلها كما بيّن
هامش
( 1 ) من الآية 85 من سورة غافر .