تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
ومثّل العمل الخالص الذي تصفّى من الرياء والعجب وسائر العلل ، بالحديد المصفى من خبثه ؛ لتصنع منه السيوف والآلات ، أو النحاس المصفى لتصنع منه الأواني ، وغيرها مما ينفع به الناس . ومثّل الحال الصافي من العلل بالذهب المصفى ، أو الفضة ، إذا صفيت وذهب خبثها ؛ ليصنع بهما الحلي والحلل ؛ ليتزين بها أهلها ، فأشار إلى المثال الأول - وهو العلم - بقوله :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
إلخ . وأشار إلى الحال بقوله :
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ
، وأشار إلى العمل بقوله :
أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
. وقدّم الحال ، لشرفه ، ومثّله بالذهب والفضة ؛ لزيادة الرغبة فيه ؛ لأنه ثمرة العمل ، ومرجعه إلى الوجدان والأذواق ، وهو عزيز لا يجده إلا المقربون . والحاصل : أن المراتب أربعة : العلم ، والعمل ، والحال ، والمقام . وإنما لم يضرب الحق تعالى مثلا للمقام ؛ لأن النزول فيه لا يكون إلا بعد التصفية ، فليس فيه علة ، يحتاج إلى التصفية منها . فمقامات اليقين كلها يجرى فيها العلم ، والعمل ، والحال ، والمقام . فالتوبة مثلا : يتعلق العلم بمعرفة حقيقتها ، وفضليتها ، ثم يسعى في العمل بالمجاهدة والرياضة حتى يذهب زبده وخبثه ، حتى يذوق حلاوة الاستقامة مع بقية الخوف من السقوط ، وهذا هو الحال ، ثم تطمئن النفس ، وترسخ التوبة النصوح ، وهذا هو المقام . وكذلك الصبر ، يتعلق به العلم أولا ثم يسعى في مرارة استعماله حتى يذوق حلاوة الشدة والفاقة ثم يرسخ فيه ، وهكذا يجرى في المقامات كلها . . وهي اثنا عشر مقاما : التوبة ، والخوف ، والرجاء والورع ، والزهد ، والصبر ، والشكر ، والرضى ، والتسليم ، والمحبة ، والمراقبة ، والمشاهدة . وهي : بروج شمس المعرفة ، وقمر التوحيد . وكذلك معرفة الشهود والعيان : يتعلق العلم أولا بأسرار التوحيد ، ثم يعمل في خرق عوائد نفسه حتى تموت ، فيشرق عليها أنوار التوحيد ، غير أنها تظهر وتخفى ، ثم يصير الشهود مقاما ، رسوخا وتمكينا . وقد أشار في الحكم إلى بعض هذا فقال : « حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال ، وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال » . وكل واحد من الثلاثة يحتاج إلى تصفية حتى يذهب زبده وخبثه ؛ فتصفية العلم بالإخلاص والتحقيق ، فيذهب عنه قصد الرئاسة والجاه ، أو التوصل إلى الدنيا ، ويذهب به الشكوك والأوهام ؛ فهذا زبده . وتصفية العمل بالإخلاص في أوله ، والإتقان والحضور في وسطه ، والكتمان في آخره ، فيذهب عنه الرياء والعجب به ، والتوصل به إلى حظ نفساني . وتصفية الحال بصحة القصد وإفراد الوجهة ، وإذا هاج عليه الوارد ملك نفسه وأمسكها ، فيذهب به قصد الظهور ، وطلب المراتب الدنيوية والكرامات الحسية ، التي هي من حظ النفس وتشتيت القلب ، إن لم يفرد وجهته للّه ، وانحلال عزمه وخمود نوره ، إن لم يمسك نفسه عند هواجم الحال . فهذا زبد الحال الذي يذهب عنه بمجاهدة النفس ، ويمكث في أرض القلوب صفاء اليقين والمعرفة وخالص العمل في مقام العبودية . وباللّه التوفيق .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 20 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان