تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ
: قوم بين النصارى والمجوس ، أو عباد الكواكب ، أو قوم بقوا على دين نوح - عليه السّلام -
وَالنَّصارى
: قوم عيسى ،
مَنْ آمَنَ
منهم
بِاللَّهِ
إيمانا حقيقيا ؛ بلا شرك ولا تفريق ، وآمن باليوم الآخر ،
وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
، قال ابن عباس : نسخها :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
« 1 » ، وقيل : إن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيمانا صحيحا فله أجره ، فيكون في حق المؤمنين : الثبات عليه إلى الموت ، وفي حق غيرهم : الدخول في الإسلام ، فلا نسخ . وقيل : إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا نسخ أيضا . قاله ابن جزى . الإشارة : الذي طلب اللّه من العباد ورغبهم في تحصيله ، وجعله سببا للنجاة من كل هول في الدنيا والآخرة ثلاثة أمور : أحدها : تحقيق الإيمان باللّه ، والترقي فيه إلى محل شهود المعبود ، الثاني : تحقيق الإيمان بالبعث وما بعده ، حتى يكون نصب عينيه ، ويقربه كأنه واقع يشاهده ؛ إذ كل آت قريب . والثالث : إتقان العمل إظهارا للعبودية ، وتعظيما لكمال الربوبية ، على قدر الاستطاعة من غير تفريط ولا إفراط ، وباللّه التوفيق . ثم خص اليهود بالعتاب لعظم جرأتهم ، فقال :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 70 إلى 71 ]

لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 ) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 ) قلت : المضارع إذا وقع بعد العلم وجب إهمال ( أن ) معه ، فتكون مخففة ، وإن وقعت بعد الظن يصح فيها الوجهان ، فمن قرأ : ( وحسبوا ألا تكون ) بالرفع ، فأن مخففة ، ومن قرأ بالنصب فأن مصدرية . والفرق بين العلم والظن ، أن علم العبد إنما يتعلق بالحال ، و ( أن ) تخلص للاستقبال ، فلا يصح وقوعها بعد العلم ، فأهملت وكانت مخففة من الثقيلة ، بخلاف الظن ؛ فيتعلق بالحال والاستقبال ، فصح وقوع ( أن ) بعده . و ( كلما ) : ظرف لكذبوا أو يقتلون ، و ( كثير ) : بدل من فاعل عموا وصموا . يقول الحق جل جلاله :
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
أن يعملوا بأحكام التوراة ،
وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا
يجددون العهد ويحثون على الوفاء به ، ثم إنهم طغوا وعتوا ؛
كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ
من عند اللّه
بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ
من الشرائع التي تخالف أهواءهم ومشاق الطاعة ،
فَرِيقاً
منهم كذبوهم
وَفَرِيقاً
يقتلونهم ، أي : كذبوا فريقا كداود وسليمان ، وفريقا قتلوهم بعد تكذيبهم كزكريا ويحيى ، وقصدوا قتل عيسى عليه السّلام فليس ما فعلوا معك ببدع منهم ، فلهم سلف في ذلك .
هامش
( 1 ) من الآية 85 من سورة آل عمران .