تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
أي : أجعله خاصتي وخلاصتى ، أو أجعله خالصا لنفسي . قال أولا :
ائْتُونِي بِهِ
فقط ، فلما تبين له حاله وظهر كماله ، قال :
ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
روى أنه لما أراد أن يخرجه أرسل إليه بخلعة يأتي فيها ، وكان بين السجن والبلد : أربعة فراسخ ، فقال يوسف : لا أخرج من السجن حتى لا يبقى فيه أحد ، فأمر الملك بخروج جميع من فيه . فلما خرج من السجن اغتسل وتنظف ، ولبس ثيابا جددا ، فلما دخل على الملك ، قال : اللهم إني أسألك من خيره ، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره . ثم سلّم عليه ودعا له بالعبرانية ، فقال : ما هذا اللسان ؟ . فقال : لسان آبائي . وكان الملك يعرف سبعين لسانا ، فكلمه بها ، فأجابه بجميعها ، فتعجب منه ، فقال : أحب أن أسمع رؤياي ، فحكاها ، ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها ، فأجلسه على السرير ، وفوض إليه أمره . وهذا معنى قوله تعالى :
فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
أي : فلما أتوا به وكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء ،
قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ
عندنا
مَكِينٌ
أي : في مكانة ومنزلة ،
أَمِينٌ
: مؤتمن على كل شئ ، ثم فوض إليه أمر المملكة . وقيل : توفى قطفير - أي : العزيز - فنصّبه منصبه ، وزوجه من زليخا بعد أن شاخت ، وافتقرت ، فدعا اللّه تعالى فرد عليها جمالها وشبابها ، فوجدها عذراء ، وولد منها إفرائيم وميشا . ثم قال له الملك : ما ترى نصنع في هذه السنين المخصبة ؟ .
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
أي : أرض مصر إلى أمرها . والخزائن : كل ما يخزن فيه طعام ومال وغيرهما .
إِنِّي حَفِيظٌ
لها ممن لا يستحقها ،
عَلِيمٌ
بوجوه التصرف فيها . قال البيضاوي : ولعله عليه السّلام لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة ، آثر ما تعم فوائده وعوائده ، وفيه دليل على جواز طلب التولية ، وإظهار أنه مستعد لها ، والتولي من يد الكافر ، إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به . وعن مجاهد : أن الملك أسلم على يديه . ه . قلت : وقد تقدم عن الورتجبي ما يدل عليه . وقال ابن عطية : وطلب يوسف للعمل إنما هو حسبة منه عليه السّلام ؛ لرغبته أن يقع العدل ، ونحو هذا هو دخول أبى بكر رضى اللّه عنه في الخلافة ، مع نهيه المستشير له من الأنصار عن أن يتأمّر على اثنين . فجائز للفاضل أن يعمل ويطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه . ه . وفي « الاكتفاء في أخبار الخلفاء » : أن عمر أراد أبا هريرة على العمل ، فامتنع ، فقال له : أو ليس يوسف خيرا منك ، وقد طلب العمل ؟ فقال : يوسف نبي بن نبي ، وأنا ابن أميمة ، فأنا أخاف ثلاثا واثنين : أن أقول بغير علم ، وأقضى بغير عدل ، وأن يضرب ظهري ، ويشتم عرضى ، ويؤخذ مالي . ه .