تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
الرؤيا ؛ لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة ، وأحاديث الشيطان إن كانت كاذبة . أو يعلمك من تأويل غوامض علوم كتب اللّه ، وسنن الأنبياء وحكم الحكماء .
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
بالنبوة ، أو بأن يجمع لك بين نعمة الدنيا ، ونعمة الآخرة ،
وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ
يريد : سائر بنيه . ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب ،
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ
؛ من قبلك ، أو من قبل هذا الوقت . فأتمها على إبراهيم بالرسالة والخلة والإنجاء من النار ، وإسحاق بالرسالة والإنقاذ من الذبح « 1 » ، وهم :
إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ
، فهما عطف بيان لأبويك ،
إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ
بمن يستحق الاجتباء ،
حَكِيمٌ
لا يخلو فعله من حكمة ، نعمة كانت أو نقمة . الإشارة : البداية مجلاة النهاية ، يوسف عليه السّلام نزلت له أعلام النهاية في أول البداية . وكذلك كل من سبق له شئ من العناية ، لا بد تظهر أعلامه في أول البداية ؛ « من أشرقت بدايته أشرقت نهايته » . من كانت باللّه بدايته كانت إليه نهايته . وأوصاف النهاية تأتى على ضد أوصاف البداية ؛ فكمال العز في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الذل في البداية . وتأمل قول الشاعر :
تذلّل لمن تهوى لتكسب عزّة * فكم عزّة قد نالها المرء بالذّلّ
وتأمل قضية سيدنا يوسف عليه السّلام ؛ ما نال العز والملك حتى تحقق بالذل ، والملك وكمال الغنى في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الفقر في البداية ، وكمال العلم لا يأتي إلا بعد إظهار كمال الجهل ، وكمال القوة لا يأتي إلا بعد كمال الضعف . . وهكذا جعل اللّه تعالى بحكمته الأشياء كامنة في أضدادها ؛ « تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه » . فالاجتباء يكون بعد الابتلاء ، وإتمام النعم يكون بعد تقديم النقم ، وذلك لتكون أحلى وأشهى ، فيعرف قدرها ويتحقق منه شكرها ، وهذا السر في تقديم أهوال يوم القيامة على دخول الجنة ؛ ليقع نعيمها في النفس كل موقع . ولا فرق بين جنة الزخارف ، وجنة المعارف . ( حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ) . واللّه تعالى أعلم . ثم قال تعالى :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 7 إلى 8 ]

لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ( 7 ) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 )
هامش
( 1 ) الثابت أن الذبيح هو سيدنا إسماعيل عليه السّلام . راجع التعليق على تفسير الآية 124 من سورة البقرة .