تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
الإشارة : إذا دخل العارف في بحر الفناء ، وغاب عن حسه ورسمه ، واتصل معناه ببحر معاني الأسرار ، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار الصفات ، فقال لأصحابه : اركبوا فيها ، بسم اللّه مجريها ومرساها ، إن ربى لغفور رحيم ، حيث غطى وصفكم بوصفه ، ونعتكم بنعته . فوصلكم بما منه إليه ، لا بما منكم إليه . فصارت سفن الأفكار تجرى بهم في موج كالجبال ، وهي تيار بحر الذات . فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له ، وما ظهر من أنوار الصفات أمواجه . فأنوار الآثار هي أمواج البحار ، وما عظم من أمواجه يسمى التيار ، ولذلك قيل : العارفون يغرقون في بحر الذات ، وتيار الصفات ، فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار ، وساروا فيها بمدد أسرارهم ، تلاطمت عليهم أمواجه . وهي تجرى بهم في موج كالجبال ، فلا عاصم اليوم من أمر اللّه إلا من رحم ، فآواه إلى جبل السنة المحمدية . فكان من الناجين . وآخرون حال بينهم الموج ، فكانوا من المغرقين ، فالتبس الأمر عليهم ، فقالوا بالحلول والاتحاد ، أو نفى الحكمة والأحكام . وهذا في حق من ركب بلا رئيس ماهر ، وإلا رده إلى سفينة النجاة ، وهي : التمسك بالشريعة المحمدية في الظاهر ، والتحقق بالحقيقة الأصلية . وباللّه التوفيق . ثم ذكر انتهاء الطوفان ، فقال :

[ سورة هود ( 11 ) : آية 44 ]

وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) قلت : ( بعدا ) : منصوب على المصدر ، أي : أبعدوا بعدا . يقول الحق جل جلاله :
وَقِيلَ
أي : قال اللّه :
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
الذي خرج منك ، فانفتحت أفواها ، فرجع إليها ما خرج منها ،
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
: أمسكى عن الأمطار . روى أنها أمطرت من كل موضع ، فبقى ما نزل منها بحارا على وجه الأرض . قال البيضاوي : نوديا بما ينادى به أولو العلم ، وأمرا بما يؤمرون به ، تمثيلا لكمال قدرته ، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما ، بالأمر المطاع ، الذي يأمر المنقاد لحكمه ، المبادر إلى امتثال أمره ، مهابه من عظمته ، وخشية من أليم عقابه . والبلع : النشف ، والإقلاع : الإمساك . ه .
وَغِيضَ الْماءُ
؛ نقص ولم ينشف ما خرج منها ،
وَقُضِيَ الْأَمْرُ
: وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين ، وإنجاء المؤمنين ،
وَاسْتَوَتْ
: استقرت السفينة
عَلَى الْجُودِيِّ
؛ جبل بالموصل . وقيل : بالشام . وتقدم أنه