تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
وفهمه ، فإن كشفت عند الله الحقائق ظهر تأويل ما ينطق به أهل الحقائق ، ومن الناس من يؤمن بهذه الأسرار ، ومنهم من لا يؤمن بها ويطعن على أهلها ، حتى ربما رموهم بالزندقة لأجلها ، وربك أعلم بالمفسدين . ثم أمر نبيه بالبراءة ممن كذبه ، فقال :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 41 إلى 44 ]

وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 41 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ( 43 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) قلت : « من » الموصولة لفظها مفرد ، ومعناها واقع على الجمع أو غيره ، فإن عاد الضمير عليها جاز فيه مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ ، فقوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ
راعى جانب المعنى ، وقوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ
راعى جانب اللفظ ، فإن راعى أولا اللفظ جاز أن يرجع إلى مراعاة المعنى ، كقوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا
« 1 » وأما إن راعى أولا المعنى فلا يرجع إلى مراعاة اللفظ ، لأن مراعاة المعنى أقوى . انظر الإتقان . يقول الحق جل جلاله :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ
؛ كذبك قومك بعد إلزام الحجة لهم
فَقُلْ
لهم :
لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
أي : فتبرأ منهم وقل لهم : لي جزاء عملي ، ولكم جزاء عملكم ، حقا كان أو باطلا ،
أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
، لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم ، ولأجل ما فيه من إيهام الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم قيل : إنه منسوخ بآية السيف .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
إذا قرأت القرآن ، أو علمت الشرائع ، ولكن لا يقبلون ، كالأصم الذي لا يسمع أصلا ،
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ
تقدر على إسماعهم
وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ
أي : ولو انضم إلى صممهم فقد عقولهم ، فهو أحرى في عدم الاستماع . قال البيضاوي : وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام هو فهم المعنى المقصود منه ، ولذلك لا توصف به - أي : بالاستماع - البهائم ، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل وتدبره . وعقولهم لما كانت مؤوفة - أي : قاصرة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف والتقليد بعدت أفهامهم عن فهم الحكم والمعاني الدقيقة ، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق . ه .
هامش
( 1 ) من الآية 16 من سورة سيدنا ( محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) .