قاتَلَهُمُ اللَّهُ
أي : أهلكهم ودمرهم ؛ لأن من قاتله اللّه هلك ، فيكون دعاء ، أو تعجبا من شناعة قولهم ،
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
أي : كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل .
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ
أي : علماءهم
وَرُهْبانَهُمْ
؛ عبّادهم
أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
؛ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل اللّه ، وتحليل ما حرم اللّه ، وفي السجود لهم ،
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
؛ بأن جعلوه ابن اللّه ،
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً
وهو اللّه الواحد الحق ، وأما طاعة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وسائر من أمر بطاعته ، فهو في الحقيقة طاعة لله ،
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
؛ تقرير للتوحيد ،
سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
؛ تنزيها له عن أن يكون معه شريك .
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا
أي : يخمدوا
نُورَ اللَّهِ
؛ القرآن أو الإسلام بجملته ،
بِأَفْواهِهِمْ
كقولهم فيه :
سحر ، وشعر ، وغير ذلك ، وفيه إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا ،
وَيَأْبَى اللَّهُ
؛ لا يرضى
إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
بإعلاء التوحيد ، وإظهار الإسلام ، وإعزاز القرآن وأهله ،
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
ذلك ، فإن اللّه لا محالة يتم نوره ، ويظهر دينه .
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم
بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
، الضمير في « يظهره » : للدين الحق ، أو للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، واللام في « الدين » : للجنس ، أي : على سائر الأديان فينسخها ، أو على أهلها فيخذلهم ، وقد أنجز وعده ، وأظهر دينه ورسوله على الأديان كلها ، حتى عم المشارق والمغارب ،
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
ذلك الإظهار ، فيظهره اللّه رغما عن أنفهم . وقيل : يتحقق ذلك عند نزول عيسى عليه السّلام ، حتى لا يبقى دين إلا دين الإسلام ، واللّه تعالى أعلم .
الإشارة : من انطمس نور بصيرته نسب لله ما لا يليق بكمالاته ، ومن لم تنهضه سوابق العناية وقف مع الوسائط ، ولم ينفذ إلى شهود الموسوط ، وقد عيّر اللّه قوما وقفوا مع الوسائط فقال :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
، وقال ، في شأن الواسطة العظمى ؛ غيرة على القلوب أن تقف مع غيره :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
« 1 » ،
إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ
« 2 » ، ودخل بعض العارفين على إنسان وهو يبكى ، فقال : وما يبكيك ؟ فقال له : مات أستاذي ، فقال له ذلك العارف : ولم جعلت أستاذك من يموت ؟ .
فالوسائط ؛ كالأنبياء والأولياء ، إنما هم موصّلون إلى اللّه ، دالون عليه ، فمن وقف معهم ولم ينفذ إلى اللّه فقد اتخذه ربا عند الخواص .
هامش
( 1 ) من الآية 128 من سورة آل عمران .
( 2 ) من الآية 12 من سورة هود .