تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
الوصول إليه .
وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ
المستحقين لولايته مع شركهم وكفرهم ، وهو ردّ لما كانوا يقولون : نحن ولاة البيت الحرام ؛ فنصد من نشاء وندخل من نشاء . قال تعالى :
إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
أي : ما المستحقون لولايته إلا المتقون ، الذين يتقون الشرك والمعاصي ، ولا يعبدون فيه إلا اللّه ، ويعظمونه ، حق تعظيمه .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أن لا ولاية لهم عليه ، وإنما الولاية لأهل الإيمان ، وكأنه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ذلك ويعاند ، أو أراد به الكل ، كما يراد بالقلة العدم . قاله البيضاوي . الإشارة : قد جعل اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أمانا لأمته ما دام حيّا ، فلما مات صلّى اللّه عليه وسلّم بقيت سنته أمانا لأمته ، فإذا أميتت سنته أتاهم ما يوعدون من البلاء والفتن ، وكذلك خواص خلفائه ، وهم العارفون الكبار ، فوجودهم أمان للناس ، فقد قالوا : إن الإقليم الذي يكون فيه القطب لا يصيبه قحط ولا بلاء ، ولا هرج ولا فتن ؛ لأنه أمان لذلك الإقليم ، خلافة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر تلاعبهم بالدين ، فقال :

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 35 ]

وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 ) يقول الحق جل جلاله :
وَما كانَ صَلاتُهُمْ
التي يصلونها في بيت اللّه الحرام ، ويسمونها صلاة ، أو ما يضعون موضعها ،
إِلَّا مُكاءً
أي : تصفيرا بالفم ، كما يفعله الرعاة ،
وَتَصْدِيَةً
أي : تصفيقا باليد ، الذي هو من شأن النساء ، مأخوذ من الصدى ، وهو صوت الجبال والجدران . قال ابن جزى : كانوا يفعلون ذلك إذا صلى المسلمون ، ليخلطوا عليهم صلاتهم . وقال البيضاوي : روى أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة ، الرجال والنساء ، مشبكين بين أصابعهم ، يصفرون فيها ويصفقون ، وقيل : كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلى ، يخلطون عليه ، ويرون أنهم يصلون أيضا ، ومساق الآية : تقرير استحقاقهم العذاب المتقدم في قوله :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
، أو عدم ولايتهم للمسجد ، فإنها لا تليق بمن هذه صلاته . ه . قال تعالى :
فَذُوقُوا الْعَذابَ
الذي طلبتم ، وهو القتل والأسر يوم بدر ، فاللام للعهد ، والمعهود : ( أو ائتنا بعذاب أليم ) ، أو عذاب الآخرة ،
بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
أي : بسبب كفركم اعتقادا وعملا . الإشارة : وما كان صلاة أهل الغفلة عند بيت قلوبهم إلا ملعبة للخواطر والهواجس ، وتصفيقا للوسواس والشيطان ، وذلك لخراب بواطنهم من النور ، حتى سكنتها الشياطين واستحوذت عليها ، والعياذ بالله ، فيقال لهم : ذوقوا عذاب الحجاب والقطيعة ، بما كنتم تكفرون بطريق الخصوص وتبعدون عنهم . واللّه تعالى أعلم .