تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
ينظر للمعنى وما يفيده الاستفهام الإنكارى من نفيه للنفي ، فيصير الكلام إيجابا ، فيصح الجواب بنعم في الجملة ، لكن لمّا كان محتملا امتنع في الآية . انظر المغني . وقوله : ( أن تقولوا ) : مفعول من أجله . يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكروا
إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
؛ من ظهور بني آدم
ذُرِّيَّتَهُمْ
؛ وذلك أن اللّه تعالى لمّا خلق آدم ، وأهبطه إلى الأرض ، أخرج من صلبه نسيم بنيه ، بعضهم من صلب بعض ، على نحو ما يتوالدون ، قرنا بعد قرن كالذر ، وكان آدم بنعمان ، وهو جبل يواجه عرفة ، وقال لهم حين أخرجهم :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
؟ فأقروا كلهم ، و
قالُوا بَلى
أنت ربنا ،
شَهِدْنا
بذلك على أنفسنا ، لأن الأرواح حينئذ كانت كلها على الفطرة ، علّامة درّاكة ، فلما ركبت في هذا القالب نسيت الشهادة ، فبعث اللّه الأنبياء والرسل يذكّرون الناس ذلك العهد ، فمن أقرّ به نجا ، ومن أنكره هلك ، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التمثيل ، وأن أخذ الذرية من الظهر عبارة عن إيجادهم في الدنيا ، وأما إشهادهم فمعناه : أن اللّه نصب لبنى آدم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها عقولهم ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم ، وقال : ( ألست بريكم ) ؟ وكأنهم قالوا بلسان الحال : أنت ربنا . والأول هو الصحيح ؛ لتواتر الأخبار به ، فقوله : ( شهدنا ) : هو من تمام الجواب ، فهو تحقيق لربوبيته وأداء لشهادتهم بذلك ، فينبغي أن يوقف عليه ، وقيل : إنّ ( شهدنا ) : من قول اللّه أو الملائكة ، فيوقف على ( بلى ) ، لكنه ضعيف . ثم ذكر حكمة هذا الأخذ ، فقال :
أَوْ تَقُولُوا
أي : فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا
يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
، أو كراهية أن تقولوا :
إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ
فاقتدينا بهم ،
أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
، يعنى : آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك ، ولا بد من حذف كلام هنا لتتم الحجة ، والتقدير : أخذنا ذلك العهد في عالم الأرواح ، وبعثنا الرسل يجددونه في عالم الأشباح ، كراهة أن تقولوا : إنا كنا عن هذا غافلين ، ويدل على هذا قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا . . .
الآية « 1 » . وقوله :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ
« 2 » ، ولا يكفى مجرد الإشهاد الروحاني في قيام الحجة ؛ لأن ذلك العهد نسيته الأرواح حين دخلت في عالم الأشباح ، فلا تهتدى إليه إلا بدليل يذكرها ذلك . قال البيضاوي : والمقصود من إيراد هذا الكلام هاهنا : إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام ، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم ، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ، ومنعهم من التقليد ، وحملهم على النظر والاستدلال ، كما قال تعالى :
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ
الدالة على وحدانيتنا سمعا وعقلا ،
وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
عن التقليد واتباع الباطل .
هامش
( 1 ) الآية 15 من سورة الإسراء . ( 2 ) الآية 165 من سورة النساء .