تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
قلت : الرّشد والرّشد : لغتان ، قرىء بهما . يقول الحق جل جلاله :
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ
اخترتك
عَلَى النَّاسِ
الموجودين في زمانك ، وهارون ، وإن كان نبيا ، كان مأمورا باتباعه ، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع . فقد اصطفيتك على أهل زمانك
بِرِسالاتِي
لك إليهم ، ومن قرأ بالجمع فالمراد : أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة ،
وَ
خصصتك
بِكَلامِي
، وقد شاركه نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مع زيادة الرؤية ،
فَخُذْ ما آتَيْتُكَ
أي : أعطيتك من الرسالة والتكليم ، واقنع بهما ولا تطلب غير ذلك ،
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
على هذه النعمة ، وفيه نوع تأديب له . روى أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة ، وأعطاه التوراة يوم النحر . قال تعالى :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
يحتاجون إليه
مَوْعِظَةً
أي : تذكيرا
وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ . واختلف في الألواح : هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين ، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر ، أو خشب ، أو صخرة صماء ، شقها اللّه تعالى لموسى عليه السّلام فقطعها بيده ، وكان فيها التوراة . قال تعالى لموسى عليه السّلام :
فَخُذْها
أي : الألواح أو الرسالة
بِقُوَّةٍ
أي : بجد واجتهاد ،
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
بأحسن ما فيها ، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه ؛ كالقصاص مع العفو ، أو بواجباتها ، فإن الواجب أفضل من المندوب ، وهذا كقوله في كتابنا :
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
« 1 » ، ويجوز أن يراد بالأحسن : البالغ في الحسن مطلقا ، لا بالإضافة إلى غيره ، كقولهم : الصيف أحر من الشتاء ، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن ، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم ، فقال :
سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ
أي : دار فرعون وقومه خاوية على عروشها ، أي : أريكم كيف أقفرت منهم لمّا هلكوا ، وقيل : منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم ، لتعتبروا بها ، وقيل : جهنم . وقرأ ابن عباس : « سأورثكم » بالثاء المثلثة ، كقوله :
وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ
« 2 » .
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ
المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها ، أو القرآن وغيره من الكتب ، أصرف عنها
الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ
بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون ، ولا يؤمنون بها ، عقوبة لهم على تكبرهم ، وقيل : الصرف : منعهم من إبطالها
هامش
( 1 ) من الآية 55 من سورة الزمر . ( 2 ) من الآية 59 من سورة الشعراء .