تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
الألوهية ، كقول نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك » « 1 » .
وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
أي : أحاط علمه بكل شئ مما كان وما يكون منا ومنكم ،
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا
في أن يثبتنا على الإيمان ، ويخلصنا من الإشراك .
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا
أي : احكم بيننا
وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
بالعدل ، بتمييز المحق من المبطل ،
وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ
أي : الفاصلين .
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً
وتركتم دينكم
إِنَّكُمْ إِذاً
أي : إذا اتبعتموه
لَخاسِرُونَ
؛ لاستبدالكم ضلالته بهداكم ، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف .
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
أي : الزلزلة . وفي سورة الحجر .
الصَّيْحَةُ *
، ولعلها كانت من مبادئها ،
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ
أي : في مدينتهم
جاثِمِينَ
: باركين ميتين .
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
أي : استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة .
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ
دينا ودنيا ، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا ؛ فإنهم الرابحون ، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول ، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين .
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ
، قاله بعد هلاكهم ، تأسفا عليهم ، ثم أنكر على نفسه فقال :
فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ
ليسوا أهلا للحزن عليهم ، لاستحقاقهم ما نزل بهم . الإشارة : يؤخذ من قوله :
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها
أن إقامة الشرائع ، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها ، وخصبها وعافيتها ، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها . ويؤخذ من قوله :
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ . . .
الآية ، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على اللّه من أفضل القربات عند اللّه ، وأعظم الوسائل إلى اللّه . ويؤخذ من قوله :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد ، ولعل اللّه تعالى علّق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها ، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير اللّه قراره . وفي بعض الآثار القدسية : « يا عبدي لا تأمن مكرى وإن أمّنتك ، فعلمى لا يحيط به محيط » . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه مطولا أحمد في المسند ( 6 / 91 ) عن السيدة عائشة رضى اللّه عنها والترمذي في ( القدر - باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن ) من حديث أنس رضى اللّه عنه . وفي ( الدعوات ، باب 90 ) من حديث أم سلمة رضى اللّه عنها .