تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وَقاسَمَهُما
أي : حلف لهما
إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
فيما قلت لكما . وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة ؛ لأنه اجتهد فيه ، أو لأنه أقسم لهما ، وأقسما له أن يقبلا نصيحته .
فَدَلَّاهُما
، أي : أنزلهما إلى الأكل من الشجرة ،
بِغُرُورٍ
أي : بما غرهما به من القسم ، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا ،
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ
أي : وجدا طعمها ، آخذين في الأكل منها ،
بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما
، وتهافت عنهما ثيابهما ، فظهرت لهما عوراتهما ؛ أدبا لهما . وقيل : كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر ، فلما أكلا انكشف عنهما ، وظهرت عورتهما ،
وَطَفِقا
أي : جعلا
يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
أي : أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به ، قيل : كان ورق التين . فآدم أول من لبس المرقعة ،
وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ
؛ هذا عتاب على المخالفة ، وتوبيخ على الاغترار بالعدو . وفيه دليل على أن مطلق النهى للتحريم . ثم صرحا بالتوبة فقالا :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
حين صدّرناها للمعصية ، وتعرضنا للإخراج من الجنة ،
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
؛ وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها . قال البيضاوي : فيه دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر ، وقالت المعتزلة : لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر ، ولذلك قالوا : إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات ، واستحقار العظيم من الحسنات . ه .
قالَ اهْبِطُوا
؛ الخطاب لآدم وحواء وذريتهما ، أو : لهما ولإبليس ، وكرر الأمر له تبعا ؛ ليعلم أنهم قرناء له أبدا . حال كونكم
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
أي : متعادين ،
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ
أي : استقرار ،
وَمَتاعٌ
أي : تمتع ،
إِلى حِينٍ
انقضاء آجالكم ،
قالَ فِيها
أي : في الأرض
تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ
للجزاء ، بالنعيم ، أو بالعذاب الأليم ، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية . الإشارة : قال بعض العارفين : كل ما نهى اللّه تعالى عنه فهو شجرة آدم ، فمن دخل جنة المعارف ، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة - وهي شجرة سوء الأدب - أخرج منها ، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة ، فتاب عليه وهداه ، وأهبطه إلى أرض العبودية ؛ ليكون خليفة اللّه في أرضه ، فأنعم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى . وفي الحكم : « ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول » . وقال أيضا : « معصية أورثت ذلا وافتقارا ، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا » . وقال بعضهم : كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب . واللّه تعالى أعلم .