تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
ثم دعا أهل الكتابين إلى الإيمان برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 15 إلى 16 ]

يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 16 ) قلت : الضمير في : ( به ) ، يعود إلى النور والكتاب ، ووحّده ؛ لأن المراد به شئ واحد ، لأن النور هو الكتاب المبين ، أو لأنهما جنس واحد . يقول الحق جل جلاله :
يا أَهْلَ الْكِتابِ
اليهود والنصارى
قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ
كصفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وآية الرجم التي في التوراة ، وكبشارة عيسى بأحمد التي في الإنجيل ،
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
مما تخفونه وتحرفونه ، فلم يخبر به ، ولم يفضحكم ، حيث لم يؤمر به ، أو عن كثير منكم ، فلا يؤاخذه بجرمه وسوء أدبه معه .
قَدْ جاءَكُمْ
يا أهل الكتاب
مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ
، عطف تفسير ، فالنور هو الكتاب المبين ، أو النور : محمد - عليه الصلاة السّلام - والكتاب المبين : القرآن ؛ لأنه الكاشف لظلمات الشك والضلال ، والواضح الإعجاز والبيان ،
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ
أي : من اتبع رضى اللّه بالإيمان به ، والعمل بما فيه ،
سُبُلَ السَّلامِ
أي : طرق السلامة من العذاب ، أو طرق اللّه الموصلة إليه ،
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
من ظلمات الكفر ، إلى نور الإسلام
بِإِذْنِهِ
أي : بإرادته وتوفيقه ،
وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي : طريق توصلهم إليه لاعوج فيها . الإشارة : قد أطلع اللّه علماء الباطن على مقامات علماء الظاهر وأحوالهم وجل مساوئهم ، ولا سيما من كان عالما بالظاهر ثم انتقل إلى علم الباطن ، كالغزالى وابن عباد وغيرهما . فقد تكلم الغزالي في صدر الإحياء مع علماء الظاهر ، ففضح كثيرا من مساوئهم . وكذلك ابن عباد في شرح الحكم ، وعفوا عن كثير - فهم على قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخواص ورثته ، لأنهم حازوا الوراثة كلها ، كما في المباحث :
تبعة العالم في الأقوال * والعابد الزّاهد في الأفعال
وفيهما الصّوفىّ في السباق * لكنّه قد زاد بالأخلاق