تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
قال : لا تسمع كلامهم ؛ فإن كلامهم قسوة ، قلت : لا بد لي ، قال : فلا تعاملهم ، فإنّ معاملتهم خسران وحسرة ووحشة ، قلت : أنا بين أظهرهم ، لا بد لي من معاملتهم ، قال : لا تسكن إليهم ؛ فإن السكون إليهم هلكة ، قلت : هذا لعله يكون ، قال : يا هذا ، تنظر إلى اللاعبين ، وتسمع إلى كلام الجاهلين ، وتعامل البطّالين ، وتسكن إلى الهلكى ، وتريد أن تجد حلاوة المعاملة في قلبك مع اللّه عز وجل ! ! هيهات ، هذا لا يكون أبدا . ه . وفي الخبر المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أخوف ما أخاف على أمتي ضعف اليقين » « 1 » . وإنما يكون برؤية أهل الغفلة ومخالطة أرباب البطالة والقسوة ، وتربية اليقين وصحته إنما تكتسب بصحبة أهل اليقين واستماع كلامهم ، والتودد إليهم وخدمتهم . وفي بعض الأخبار : ( تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين ) ، وفي رواية : « فإنّى أتعلّمه » ، والحاصل : أن الخير كله في صحبة العارفين الراسخين في عين اليقين . أو حق اليقين ، وما عداهم يجب اعتزالهم ، كيفما كانوا ، إلا بقصد الوعظ والتذكير ، ثم يغيب عنهم ، وإلى هذا أشار ابن الفارض رضى اللّه عنه بقوله :
تمسّك بأذيال الهوى واخلع الحيا * وخلّ سبيل النّاسكين وإن جلّوا
وبالله التوفيق . وأصل تنوير القلب باليقين والمعرفة : هو أكل الحلال وتجنب الحرام ، كما بيّنة الحق تعالى بقوله :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 118 إلى 121 ]

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ( 118 ) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ( 119 ) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) يقول الحق جل جلاله :
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
عند ذبحه ، ولا تتورعوا منه ،
إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ
، فإن الإيمان يقتضى استباحة ما أحل اللّه تعالى ، واجتناب ما حرمه ،
وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
أي : ما يمنعكم منه ، وأىّ غرض لكم في التحرّج عن أكله ؟ .
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ
في الكتاب ،
هامش
( 1 ) ذكره بنحوه السيوطي في الجامع الصغير ، وعزاه للطبراني في الصغير والبيهقي في الشعب ، من حديث أبي هريرة ، وحسنّه .