تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
قلت : الملك : ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات ، والملكوت : ما غاب فيها من معاني أسرار الربوبية ، والجبروت : ما لم يدخل عالم التكوين من أسرار المعاني الأزلية . يقول الحق جل جلاله :
وَكَذلِكَ
أي : مثل ذلك التبصر الذي بصّرنا به إبراهيم حتى اهتدى للرد على أبيه ، نريه
مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : نكشف له عن أسرار التوحيد فيهما ، حتى يشاهد فيهما صانعهما ، ولا يقف مع ظاهر حسهما ، وإنما فعلنا له ذلك
لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
بمعرفتنا ، عارفا بأسرار قدسنا . ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس ، أراد أن يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال ؛
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
أي : ستره بظلامه ،
رَأى كَوْكَباً
وهو الزهرة أو المشترى ،
قالَ هذا رَبِّي
على سبيل التنزل إلى قول الخصم ، وإن كان فاسدا ؛ فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ، ثم يكرّ عليه بالفساد ؛ لأن ذلك أدعى إلى الحق ، وأقرب إلى رجوع الخصم ،
فَلَمَّا أَفَلَ
أي : غاب ،
قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
؛ فضلا عن عبادتهم ؛ فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضى الإمكان والحدوث وينافي الألوهية .
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً
: مبتدئا في الطلوع ،
قالَ هذا رَبِّي ، فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
. استعجز نفسه واستعان ربه في درك الحق ، وأنه لا يهتدى إليه إلا بتوفيقه ؛ إرشادا لقومه ، وتنبيها لهم على أن القمر أيضا ؛ لتغيّر حاله ، لا يصلح للألوهية ، وأن من اتخذه إلها ، فهو ضالّ .
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي
، إنما ذكّر الإشارة لتذكير الخبر ، وصيانة للرب عن شبهة التأنيث
هذا أَكْبَرُ
لكبر النور وسطوعه أكثر ،
فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
من الأجرام المحدثة المحسوسة ، المحتاجة إلى محدث يحدثها ، ومخصص يخصصها . ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها ، فقال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ
أي : أبدع
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
حال كونى
حَنِيفاً
أي : مائلا عن دنيكم
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
مثلكم . وإنما احتج بالأفول دون البزوغ ، مع أنه تغير ؛ لأن الأفول أظهر في الدلالة ؛ لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب . ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال . وقيل : إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف . فقد روى أنه لما ولدته أمه في غار ، خوفا من نمرود ؛ إذ كان يقتل الأطفال ؛ لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يولد في هذا العصر ، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه ، وهو في الغار ، وهذا ضعيف لأن قوله :
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
يقتضى المحاجة والمخاصمة لقومه . وقوله عليه السّلام :
هذا رَبِّي *
مع قوله
إِنِّي سَقِيمٌ
« 1 » و
فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
« 2 » ، ليس بكذب ؛ للعصمة ، وإنما هو تورية . وفي الحديث : « ليس بكاذب من كاذب ظالما ، أو دفع ضررا ، أو رعى حقا ، أو حفظ قلبا » . وفي
هامش
( 1 ) من الآية 79 من سورة الصافات . ( 2 ) من الآية 63 من سورة الأنبياء .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 136 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان