تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
وأوصاف العبودية أربعة : الذل ، والفقر ، والضعف والجهل . ومقابلها من أوصاف الربوبية أربعة : العز ، والغنى والقوة والعلم ، فبقدر ما يظهر العبد من أوصاف العبودية يمده الحق من أوصاف الربوبية ، فبقدر ما يظهر العبد من الذل يمده من العز ، وبقدر ما يظهر من الفقر يمده بالغنى ، وبقدر ما يظهر من الضعف يمده من القوة ، وبقدر ما يظهر من الجهل يمده من العلم ، تحقق بوصفك يمدك بوصفه ، ولا يتحقق ظهور هذه الأوصاف إلا بين عباده لتمتحق بذلك أوصاف النفس . ثم دعا الكل إلى كتابه والإيمان برسوله ، فقال :

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 174 إلى 175 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 ) يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وما اقترن به من المعجزات الواضحات ،
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ
على لسانه
نُوراً مُبِيناً
وهو القرآن . أو جاءكم برهان من ربكم : المعجزات الظاهرة ،
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
: القرآن العظيم ، أي : جاءكم دليل العقل وشواهد النقل ، فلم يبق لكم عذر ولا علة .
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
أي : وحدوه في ربوبيته ،
وَاعْتَصَمُوا
أي : تمسكوا بدينه أو بكتابه ،
فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ
وهي الجنة ،
وَفَضْلٍ
: النظر لوجهه الكريم ، قال البيضاوي :
فِي رَحْمَةٍ
أي : ثواب قدّره بإزاء إيمانه وعمله ، رحمة منه ، لا قضاء لحق واجب ، وفضل إحسان زائد عليهما . ه . وقال القشيري : سيحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفى ، كما أكرمهم به وبالعرفان في الحال . ه .
وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ
أي : إلى الوصول إليه ،
صِراطاً مُسْتَقِيماً
أي : يبيّن لهم الوصول إليه ، وهو طريق السير الذي لا عوج فيه ؛ العلم والعمل والحال ، وقال البيضاوي : هو الإسلام والطاعة في الدنيا ، وطريق الجنة في الآخرة . ه . الإشارة : قد جاءكم من يعرفكم بالله ، ويدلكم على الله ، وهم أولياء الله ، ببرهان واضح لا يخفى إلا على من كان خفاشيا ، وأنزلنا إليكم من سر قدسنا ، وبحر جبروتنا ، نورا مبينا ، تشاهدون فيه أسرار الذات وأنوار الصفات ، وهو ما ظهر من التجليات من القبضة الأولية المحمدية ،
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ
في حال سيرهم إليه
فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ
وهي حضرة القدس ، ( وفضل ) وهو الترقي في أسرار المعارف إلى مالا نهاية له ،