تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
يقول الحق جل جلاله :
وَما كانَ
ينبغي
لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً
مثله ، أي : هو حرام عليه ،
إِلَّا
أن يقتله
خَطَأً
بأن ظنه كافرا ، أو رمى غيره فصادفه . والآية نزلت بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد ، وكان الحارث يعذبه على الإسلام ، ثم أسلم الحارث ، وهاجر ، ولم يعلم عياش بإسلامه ، فقتله . ثم ذكر حكمه فقال :
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
أي : فعليه تحرير رقبة
مُؤْمِنَةٍ
سالمة من العيوب ، ليس فيها شوب حرية ، تكون من مال القاتل ،
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ
أي : مدفوعة
إِلى أَهْلِهِ
وهي على العاقلة كما بيّن الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، وهي عند مالك : مائة من الإبل على أهل الإبل ، وألف دينار شرعية على أهل الذهب ، واثنا عشر ألف درهم ، على أهل الورق ، مقسطة على ثلاث سنين ، فإن لم تكن العاقلة فعلى بيت المال ، وتقسم على أهله ، على حسب المواريث ، إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل فتسقط ، أي : تسمح فيها الورثة أو القتيل قبل موته .
فَإِنْ كانَ
المقتول
مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ
أي : محاربين لكم ،
وَهُوَ
أي : المقتول
مُؤْمِنٌ
فعلى القاتل
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
ولا دية ؛ لأنهم محاربون فيتقووا بها على المسلمين ، ورأى مالك أن الدية في هذا واجبة لبيت المال ،
وَإِنْ كانَ
المقتول مؤمنا وهو
مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ
أي : عقد الصلح أو الذمة ، فعلى القاتل
دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
، وعليه أيضا
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
كفارة لخطئه . فإن كان غير مؤمن فلا كفارة فيه . وفيه نصف دية المسلم ،
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ
الرقبة ، أو لم يقدر عليها ؛ فعليه
فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ
عوضا من العتق ، جعل الله ذلك
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ
على القاتل لتفريطه .
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بما فرض ،
حَكِيماً
فيما قدّر ودبّر . والله تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن الحق - جل جلاله - قد رغّب في إحياء النفوس ، حسا ومعنى ، ونهى عن قتلها حسا ومعنى ، وما ذلك إلا لخصوص محبة له فيها ، ومزيد اعتناء له بشأنها ؛ فليس في الوجود أعز عند الله من مظهر هذا الآدمي إن استقام في العبودية لربه ، فهو قلب الوجود ، ومن أجله ظهر كل موجود ، وهو المنظور إليه من هذا العالم السفلى ، والمقصود بالخطاب التكليفي : جزئي وكلى ، فهو المقصود من بيت القصيد ، وهو المحبوب إليه ، دون سائر العبيد ، قال تعالى :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
.