وفي مصحف ابن مسعود : ( قالوا ما أصابك من حسنة فمن الله ) الآية ، فتكون حينئذ من مقالة المنافقين ، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة . واللّه تعالى أعلم .
الإشارة : ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث : الطيرة ، والحسد ، والظن . فقال - عليه الصلاة السلام : « إذا تطيّرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقّق » . فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال ، ويصفى مشربه من التوحيد ، فلا يرى في الوجود إلا مولاه ، ولا ينسب التأثير إلى شئ سواه ، إذا رأى نعمة به أو بغيره ، قال : من الله ، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله ، فيعتقد في قلبه أنها من قدر الله ، يقول :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
، وينسب النقص إلى نفسه وهواه ، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة ، تمسح فيهما أوساخ الأقدار ،
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
. والله تعالى أعلم .
ثم شهد جل جلاله لرسوله بالرسالة ، تحريضا على تعظيمه وحثا على طاعته ، وترهيبا من سوء الأدب معه ، كما صدر من المنافقين ، فقال :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ . . .
قلت : إن تعلق الجار بالفعل كان ( رسولا ) حال مؤكدة ، وإن تعلق بالاسم كان حالا مؤسسة تفيد العموم ؛ أي أرسلناك رسولا للناس جميعا ، و ( حفيظا ) حال من الكاف .
يقول الحق جل جلاله :
وَأَرْسَلْناكَ
يا محمد
لِلنَّاسِ رَسُولًا
تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب ، فالتوحيد محله البواطن ، فلا يرى الفعل إلا من الله ، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه . وإذا شهد الحق - جل جلاله - لرسوله بالرسالة أغنى عن غيره ،
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
. وشهادة الحق له بالمعجزات الواضحات ، والبراهين القطعيات ، والدلائل السمعيات ، فإذا ثبتت رسالته وجب على الناس طاعته ، ولذلك قال :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
؛ لأنه مبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى . روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال :
« من أطاعني فقد أطاع اللّه ، ومن أحبني فقد أحب اللّه » فقال بعض المنافقين : ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربّا ، كما اتخذت النصارى عيسى . فنزل :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى
وأعرض
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
تحفظ عليهم أعمالهم ، وتحاسبهم عليها ، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب .