ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول وتحكيمه في جميع الأمور ترهيبا وترغيبا ، فقال :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 64 إلى 68 ]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 64 ) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 )
قلت : ( توابا رحيما ) مفعولا ( وجد ) إن كانت علمية ، أو ( توابا ) حال ، و ( رحيما ) بدل منه ، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف .
يقول الحق جل جلاله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ
من لدن آدم إلى زمانك ،
إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
وأمره بطاعته ، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به .
وَلَوْ أَنَّهُمْ
أي : المنافقون حين
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بالترافع إلى غيرك ، والتحاكم إلى الطاغوت
جاؤُكَ
تائبين
فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ
بالتوبة ،
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا ،
لَوَجَدُوا اللَّهَ
أي : تحققوا كونه
تَوَّاباً رَحِيماً
، قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة والغفران . وإنما عدل عن الخطاب في قوله :
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
ولم يقل : واستغفرت لهم ، تفخيما لشأنه ، وتنبيها على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين ، وإن عظم جرمهم ، ويشفع لهم ، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها .
ثم أقسم بربوبيته على نفى إيمان من لم يرض بحكم رسوله ، فقال :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
إيمانا حقيقيا
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
أي : يترافعوا إليك ، راضين بحكمك ،
فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
أي : اختلط بينهم واختلفوا فيه
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً
أي : ضيقا وشكا
مِمَّا قَضَيْتَ
، بل تنشرح صدورهم لحكمك ؛ لأنه حق من عند الله .
وَيُسَلِّمُوا
لأمرك
تَسْلِيماً
. أي : ينقادوا لأمرك ظاهرا وباطنا .
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
، توبة من ذنوبكم ، كما كتبناه على بني إسرائيل ، أو في الجهاد في سبيل الله ،
أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ
كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر ،
ما فَعَلُوهُ