الجزء الأول
[ مقدمات التحقيق ]
[ مقدمة المحقق ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على آلائه ، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ، وعلى آله وصحبه وأوليائه . وبعد ، ، ، فهذا كتاب « البحر المديد في تفسير القرآن المجيد » للإمام البارع ، والعالم المتقن ، شيخ الطريقين وعمدة الفريقين « أبى العباس أحمد بن عجيبة الحسنى المغربي » المتوفى في عام 1224 ه .
وهو كتاب فريد في بابه ، ولم ينسج أحد على منواله ، تشوف له أرباب القلوب والأحوال طويلا ، سلك فيه صاحبه مسلك العلماء الراسخين في تفاسيرهم ، وزاد عليهم بما يذكره من معان إشارية دقيقة ، استشفها من آيات القرآن ، الذي لا تنقضى عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد .
حفل هذا التفسير بالأحاديث والآثار ، وتناول القراءات القرآنية وتوجيهها ، واشتمل على مسائل الفقه والأصول ، وجمع الكثير من القضايا اللغوية واللطائف الأدبية . وتميز بحسن الترتيب ، وحلاوة العبارة ، ودقة التصوير ، وسهولة الأسلوب .
ومن أهم ما يميز هذا التفسير هو هذه المعاني الإشارية ، التي بسط المفسر الحديث فيها عن آداب السلوك ، والمقامات ؛ كالإخلاص ، والصدق ، والصبر ، والورع ، والزهد ، والرضا ، والتوكل ، والشكر ، والحب ، والكشف ، والإلهام ، والكرامات . . . وغير ذلك مما يطول ذكره ، وقدّم لنا ابن عجيبة من خلال هذه الإشارات منهجا تربويا صوفيا إسلاميا متكاملا ، يسلكه من أراد أن تصفو روحه وتزكو نفسه ويحيا قلبه ، ويحظى بنور معرفة الحق تعالى .
وعلى الجملة فنحن أمام موسوعة قرآنية تفسيرية صوفية كبيرة وقيّمة ، تعد دليلا واضحا للحائرين ، ومنهجا كريما للسالكين .
ولا غرابة في ذلك ، فابن عجيبة عالم تضلع من علوم الشريعة واللغة ، ورسخت قدمه فيها ، وخاض في علوم التصوف ذوقا وحالا ومقاما ، وصحب أهل الأذواق والقلوب ، وسلك مسلكهم ، حتى انجلت عين بصيرته ، وتفجرت ينابيع الحكمة في قلبه ، وكان له في هذا المقام مدد واسع وفيض لا ينقطع .
ولأهمية هذا الكتاب ، وتفرده في بابه ، فقد توفرت على استخراجه من أصوله ، وتحقيقه تحقيقا علميا ، وإظهاره في صورة تكشف روائعه وتبرز كنوزه ، ومكثت في هذا العمل خمس سنوات ، مواصلا الليل والنهار ، كنت سعيدا خلالها بما حبانى اللّه من شغل في هذا العمل الشريف ، رغم أن التحقيق عمل شاق جدا ، ولا يعرف ذلك إلا من مارسه وقام به . والواقع أن كل جهد يبذل في خدمة هذا التفسير يهون بالنسبة لقيمته العظيمة .