تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
يمسكون المرأة ويسيئون عشرتها حتى تفتدى بصداقها ) ،
إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
، كالنشوز وسوء العشرة وعدم العفة ، فيحل له حينئذ حبسها حتى تفتدى منه بصداقها ، فيأخذه خلعا على مذهب مالك . والله تعالى أعلم . الإشارة : لا يحل للمريد أن يضيق على نفسه تضييقا يفضى إلى العطب ، فالنفس كالبهيمة : علفها واستخدامها ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « لا يكن أحدكم كالمنبت ، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » . فبعض الناس يسمعون أن من ضيّق على نفسه أورثته العلوم ، فيضيق عليها تضييقا فاحشا ليرث ذلك منها كرها ، وإنما يمنعها من شهواتها الزائدة على قيام البنية ، إلا أن تأتى بفاحشة مبينة ، بحيث تطغى عليها ، فيضيق عليها بما لا يفضى إلى الهلاك ، وهذا كله إنما ينفعه إذا صح ملكه لها بالعقد الصحيح من الشيخ الكامل ، وإلّا كان تعبه باطلا ، كمن يريد أن يرى امرأة غيره أو دابة غيره . والله تعالى أعلم . ثم أمر الحق تعالى بحسن العشرة مع النساء ، فقال :
وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ . . .
يقول الحق جل جلاله : وعاشروا النساء
بِالْمَعْرُوفِ
بأن تلاطفوهن في المقال وتجملوا معهن في الفعال ، أو يتزيّن لها كما تتزين له . قال الورتجبي : كونوا في معاشرتهن في مقام الأنس وروح المحبة ، وفرح العشق حين أنتم مخصوصون بالتمكين والاستقامة والولاية ، فإن معاشرة النساء لا تليق إلا في المستأنس بالله ، كالنبي صلّى اللّه عليه وسلم وجميع المستأنسين من الأولياء والأبدال ، حيث أخبر صلّى اللّه عليه وسلم عن كمال مقام أنسه بالله ورؤيته لجمال مشاهدته حيث قال : « حبّب إلىّ من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة . » « 1 » ثم قال : عن ذي النون : المستأنس بالله يستأنس بكل شئ مليح ووجه صبيح ، وبكل صوت طيب وبكل رائحة طيبة . ثم قال : عن ابن المبارك : العشرة الصحيحة : ما لا يورثك الندم عاجلا ولا آجلا ، وقال أبو حفص : المعاشرة بالمعروف : حسن الخلق مع العيال فيما ساءك . ه .
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ
فاصبروا
فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
إما ولدا صالحا أو عاقبة حسنة في الدين . قال ابن عمر : إن الرجل يستخير الله فيخار له فيسخط على ربه ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له . ه . حكى أن أبا الإمام مالك رضي اللّه عنه تزوج امرأة فدخل عليها فوجدها سوداء ، فبقى متفكرا
هامش
( 1 ) الحديث أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وغيرهم : بدون لفظ : « ثلاث » . وقال الحافظ ابن حجر . وليس في شئ من طرقه لفظ « ثلاث » . انظر : الفتح السماوي .