تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
صُدُورُهُمْ
من العداوة والبغضاء ،
أَكْبَرُ
مما أظهروه ، لأن ظهوره منهم ليس عن روية واختيار ، بل عن غلبة غيظ واضطرار .
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
أيها المؤمنون
الْآياتِ
الدالة على مجانبة الكافرين وموالاة المؤمنين ،
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
ما يبين لكم .
ها أَنْتُمْ
يا هؤلاء المخاطبين
تُحِبُّونَهُمْ
لما بينكم من المصاهرة والصداقة ،
وَلا يُحِبُّونَكُمْ
لما بينكم من مخالفة الدين ، أو تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر ، وأنتم
تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ
أي : بجنس الكتب ، ( كله ) أي : بالكتب كلها ، وهم لا يؤمنون بكتابكم ، فكيف تحبونهم وهم يكذبون كتابكم ورسولكم ؟ وهم أيضا ينافقونكم ؛
إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا
مع أنفسهم
عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ
لما يرون من ائتلاف المؤمنين ، ولم يجدوا سبيلا إلى التشفي فيكم ، وهذه كناية عن شدة حقدهم ، وإن لم يكن ثمّ عض في الخارج . قال لهم الحق جل جلاله :
قُلْ
لهم يا محمد :
مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
؛ فإنما ضرر غيظكم عليكم ، أو دوموا على غيظكم حتى تموتوا عليه ، فإن مادة الإسلام لا تزال تنمو حتى تهلكوا ،
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
أي : بحقيقة ما في قلوبكم من البغضاء والحنق « 1 » ، أو بما في القلوب من خير أو شر . هو من مقول الرسول لهم ، أو من كلام اللّه تعالى ، استئناف ، أي : لا تعجب من اطلاعى إياك على أسرارهم ، فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم . ومن فرط عداوتهم أنهم
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ
كنصر وغنيمة
تَسُؤْهُمْ
أي : تحزنهم ،
وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ
كهزيمة أو قتل أو إصابة عدو منكم أو اختلاف بينكم ،
يَفْرَحُوا بِها ، وَإِنْ تَصْبِرُوا
على عداوتهم وأذاهم ، وتخافوا ربكم ،
وَتَتَّقُوا
ما نهاكم عنه ،
لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً
، بفضل اللّه وحفظه ، الموعود للصابرين والمتقين ،
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *
،
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
. ومن كان الحق معه لا يضره شئ ،
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
؛ لا يخفى عليه ما يعمل أهل الكفر من العداوة والحقد ، فيجازيهم عليه . الإشارة : لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يتخذوا بطانة من دونهم من العامة حتى يطلعوهم على سرهم ، فإن الاطلاع على السر ، ولو كان غير الخصوصية ، كله ضعف في العقل ووهن في الرأي ، وفي ذلك يقول القائل :
( من أطلع الناس على سره * استحقّ الكىّ على جبهته )
وأما سر الربوبية فإفشاؤه لغير أهله حرام ، والعامة مضادون لأهل الخصوصية ، لا يألونهم خبالا في قلوبهم وتشتيتا لفكرتهم ، إذا صحبوهم يودون أن لو كانوا مثلهم في العنت وتعب الأسباب ، فإذا ظهر بالفقراء نقص أو خلل
هامش
( 1 ) الحذق : شدة الاغتياظ .