تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وبعد الوعي يكون البيان ،
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
. وقد تكون خارجة عن مدارك العقول . فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتبعون المتشابه من تلك الواردات ، ابتغاء فتنة العامة ، وصرفهم عن طريق الخاصة ، وابتغاء تأويله ، ليقيم عليه حجة الشريعة ، ( وما يعلم تأويله إلا اللّه ) ، أو من تحقق فناؤه في اللّه ، وهم الراسخون في معرفة اللّه ، يقولون : ( آمنا به كل من عند ربنا ) ؛ إذ القلوب المطهرة من الهوى لا تنطق عن الهوى ، وهم أرباب القلوب يقولون : ( ربنا لا تزغ قلوبنا ) عن حضرة قدسك ( بعد إذ هديتنا ) إلى الوصول إليها ، ( وهب لنا من لدنك رحمة ) تعصمنا من النظر إلى سواك ، ( إنك أنت الوهاب ) ربنا إنك جامع الناس . وهم السائرون إليك ليوم لا ريب في الوصول إليه ، وهو يوم اللقاء ، ( إنك لا تخلف الميعاد ) فاجمع بيننا وبينك ، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك ؛ ( إنك على كل شئ قدير ) . ثم هدد أهل الزيغ والفساد ، فقال :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 10 إلى 11 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 11 ) قلت : ( الوقود ) بالفتح : الحطب ، وبالضم : المصدر ، ( كذأب آل فرعون ) خبر ، أي : دأبهم كدأب آل فرعون . والدأب : مصدر دأب ، إذا دام ، ثم نقل إلى الشأن والعادة ، و ( كذبوا ) : حال بإضمار « قد » ، أو مستأنف ، تفسير حالهم ، أو خبر ؛ إن ابتدأت بالذين من قبلهم . يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بما أنزلته ، على نبينا محمد - عليه الصلاة السلام - ، إذا عاينوا العذاب
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ
، أي : بدلا من رحمته أو طاعته ، أو بدلا من عذابه ،
شَيْئاً
، وأولئك هم حطب جهنم ، فشأنهم كشأن
آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
، قد
كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
أي : أهلكهم ، وشدد العقوبة عليهم ،
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
لمن أعرض عنه وركن إلى غيره . الإشارة : كل من جحد أهل الخصوصية ، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية ، حتى حصل له الطرد والبعاد ، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد ، لن تغنى عنه - بدلا مما فاته - أموال ولا أولاد ، واتصلت به الأحزان والأنكاد ؛ كما قال الشاعر :
من فاته منك وصل حظّه الندم * ومن تكن همّه تسمو به الهمم