الإشارة : كما فضّل اللّه الرسل بعضهم على بعض ، كذلك فضل الأولياء بعضهم على بعض ، وإنما يقع التفضيل بكمال اليقين ، والتغلغل في علم التوحيد الخاص ، ذوقا وكشفا ، والترقي في المعارف والأسرار . وذلك بخدمة الرجال وصحبة أهل الكمال ، والتفرغ التام ، والزهد الكامل في النفس والفلس والجنس ، فمنهم من تحصل له المشاهدة وتصحبها المكالمة ، ومنهم من تحصل له المشاهدة دون المكالمة ، ومنهم من تحصل له الكرامات الواضحة ، ومنهم من لا يرى شيئا من ذلك استغناء عنها بكرامة المعرفة . وما قيل في الرسل من عدم تعيين المفضول ، مثله يقال في حق الأولياء ، وإلا وقع في الغيبة الشنيعة ؛ فإن لحوم الأولياء سموم ، فليعتقد الكمال في الجميع ، ولا يصرح بتعيين المفضول كما تقدم . واللّه تعالى أعلم .
ولما ذكر الحق تعالى أحوال الرسل ، وتفاوتهم في العناية ، ذكر أحوال أممهم وتفاوتهم في الهداية ، فقال :
وَلَوْ شاءَ . . .
قلت : إذا وقع فعل المشيئة بعد ( لو ) فالغالب حذف مفعوله ، كقوله :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
، أي : لو شئنا رفعه لرفعناه بها ، وكقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ . . .
، أي : لو شاء هدايتهم ما اقتتلوا ، وغير ذلك .
يقول الحق جل جلاله : ولما بعثت الرسل ، وفضّلت بعضهم على بعض ، اختلفت أممهم من بعدهم فاقتتلوا ، وكل ذلك بإرادتى ومشيئتى ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
هداية أممهم
مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ
المعجزات الواضحات في تحقيق رسالتهم وصحة نبوتهم ،
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا
بغيا وحسدا ؛
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ
بتوفيقه لاتباع دين الأنبياء ،
وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
بمخالفتهم ، فكان من الأشقياء ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
جمعهم على الهدى
مَا اقْتَتَلُوا
، لكن حكمته اقتضت وجود الاختلاف ؛ ليظهر سر اسمه المنتقم والقهار واسمه الكريم والحليم ،
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
.
وفي الآية دليل على أن الحوادث كلها بيد اللّه خيرها وشرها ، وأن أفعال العباد كلها بقدرته تعالى ، لا تأثير لشئ من الكائنات فيها . وهذا يردّ قول المعتزلة القائلين بخلق العبد أفعاله ، فما أبعدهم عن اللّه . نسأل اللّه العصمة بمنّه وكرمه .
الإشارة : اختلاف الناس على الأولياء سنة ماضية وحكمة أزلية ،
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا *
،
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
، فمن رأيته من الأولياء اتفق الناس على تعظيمه في حياته فهو ناقص أو جاهل باللّه ؛ إذ