ولما تكلم الحق جل جلاله على بعض أحكام النكاح ، أراد أن يتكلم على الإيلاء ، وهو الحلف على عدم مس المرأة وجماعها ، وقدّم على ذلك النهى عن كثرة الحلف ؛ لأنه هو السبب في الوقوع في الإيلاء ، فقال :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 224 إلى 225 ]
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 )
قل : العرضة : فعلة ، بمعنى مفعولة : أي : معرضا منصوبا ، لأيمانكم تحلفون به كثيرا ، فيصير اسم الجلالة مبتذلا بينكم . و ( أن تبروا ) : مفعول من أجله .
يقول الحق جل جلاله :
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ
أي : اسم الجلالة ، معرضا
لِأَيْمانِكُمْ
، فتتبذلونه بكثرة الحلف ، فتمتنعون من فعل الخير بسبب الحلف ، كراهة
أَنْ تَبَرُّوا
أي : تفعلوا فعل البر ، وهو الإحسان ، وكراهة أن
تَتَّقُوا
أن تجعلوا بينكم وبين اللّه وقاية بفعل المعروف ، وذلك أن يحلف الرجل ألا يصل رحمه ، أو لا يسلم على فلان ، أو لا يضمن أحدا ، أو لا يبيع بدين ، أو لا يسلف أحدا ، أو لا يتصدق ، فهذه الأمور كلها بر وتقوى ، نهى اللّه تعالى عن الحلف على عدم فعلها ، أو يحلف ألا يصلح بين الناس ، فيجب على الحالف على ذلك أن يحنث ، ويكفر عن يمينه . ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : « إنّى لأحلف على يمين فأرى خيرا منها ، فأكفر عن يميني ، وآتى الّذى هو خير » . وقال لابن سمرة : « إذا حلفت على يمين ، فرأيت غيرها خيرا منها ، فأت الّذى هو خير ، وكفّر عن يمينك » .
أو يقول الحق جل جلاله :
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ
معرضا لأيمانكم ، تحلفون به كثيرا ، نهيتكم عن ذلك ، إرادة أن تكونوا أبرارا متقين ، مصلحين
بَيْنَ النَّاسِ
؛ فإن الحالف مجترئ على اللّه ، والمجترئ لا يكون برا متقيا ، ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين ،
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
لأيمانكم ،
عَلِيمٌ
بنياتكم .
ثم رفع الحق تعالى الحرج عن يمين اللغو الذي لا قصد فيه - فقال :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ
، وهو ما يجرى على اللسان من غير قصد ، كقول الرجل في مجرى كلامه : لا واللّه وبلى واللّه ، قاله ابن عباس وعائشة - رضي اللّه عنهما - ، وبه قال الشافعي .
وقال أبو هريرة والحسن وابن عباس - في أحد قوليه - : هو أن يحلف على ما يعتقد فيظهر خلافه . وبه قال مالك رضي اللّه عنه ، والأول أليق بقوله تعالى :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
أي : بما عقدت عليه قلوبكم ،
وَاللَّهُ غَفُورٌ
؛ حيث لم يؤاخذكم باللغو ،
حَلِيمٌ
؛ حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجدّ ، تربصا للتوبة .