تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
والقسم الثاني : قوم زيّنوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم ، عمّروا قلوبهم بمحبة اللّه ، وبذلوا أنفسهم في مرضات اللّه ، قلوبهم في أعلى عليين ، وأشباحهم في أسفل سافلين ، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين . قال بعض العارفين : كلما وضعت نفسك أرضا أرضا ، سما قلبك سماء سماء ، وكل ما نقص من حسك زاد في معناك . وفي الحديث : « من تواضع دون قدره رفعه اللّه فوق قدره » . وباللّه التوفيق . ثم دعا الحق ، تعالى عباده ، إلى التوغل في الإسلام ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 208 إلى 209 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 ) قلت : ( السلم ) ، بالفتح والكسر : هو الاستسلام والانقياد ، ويبعد هنا تفسيره بالصّلح . و ( كافة ) : حال من الواو والسلم معا ، كقوله تعالى :
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ
. يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم من أهل الكتاب
ادْخُلُوا فِي
شرائع الإسلام
كَافَّةً
بحيث لا تهملوا شيئا منها ، ولا تلتفتوا إلى غيرها . نزلت في عبد اللّه بن سلام وأصحابه ، حيث دخلوا في الإسلام ، وأرادوا أن يعظّموا السبت ، وتحرجوا من لحوم الإبل . أو في المنافقين حيث أسلموا في الظاهر ، ونافقوا في الباطن ، فقال لهم الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
في الظاهر ، ادخلوا في الإسلام
كَافَّةً
ظاهرا وباطنا . أو في المسلمين يأمرهم بالتمسك بشرائع الإسلام كلها ، والبحث عن أحكامها وأسرارها ،
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
أي : طرقه الدالة على التفريق والتفرق ؛
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
أي : بيّن العداوة .
فَإِنْ زَلَلْتُمْ
عن طريق الجادّة ؛ ففرقتم بين أجزاء الشريعة ، أو التفتّم إلى غير شريعتكم ،
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ
الآيات
الْبَيِّناتُ
الدالة على صحة الدين ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ،
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
أي : غالب لا يعجزه عقابكم ،
حَكِيمٌ
في إمهاله إلى وقت معلوم . الإشارة : أمر الحق جل جلاله جميع عباده بالصلح معه والاستسلام لأحكامه ، بحيث لا يصدر منهم نزاع لأحكامه ، ولا اعتراض على أفعاله ، بل ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة ، فيتلقونه بالرضى والتسليم ، أو الصبر والتصبر ، سواء ظهرت هذه الأفعال على أيدي الوسائط أو بلا وسائط ، إذ لا فاعل سواه ، وكلّ من عند اللّه ، فإن