تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
ثم ذكر الحق تعالى نعمة الواسطة ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 151 إلى 152 ]

كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 ) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) قلت : ( كما ) متعلق بأتم ، أي : ولأتم نعمتي عليكم في شأن القبلة كما أتممتها عليكم بإرسال الرسول . أو باذكرونى ، أي : كما ذكرناكم بالإرسال ، فاذكروني بالمقال والحال . وقدم هنا التزكية على التعليم ، باعتبار القصد ؛ لأن القصد من الإرسال والتعليم هو التطهير ، وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل ، لأن الإرسال والتعليم مقدم على التطهير ، وأعاد العامل في قوله :
وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
إيذانا بأنه جنس آخر شرفا له . يقول الحق جل جلاله : يا عبادي اذكروا برى وإحسانى ؛ فقد أتممت عليكم نعمى وآلائي بإسعافكم في تحويل القبلة ، كما أتممتها عليكم بأعظم النعم وأجلها ، وهو إرسال من يعلمكم
رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا
الموصلة إلى حضرتنا ، ويطهركم من المساوئ والعيوب ،
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ
المشتمل على علم الغيوب ودواء القلوب ، ويعلمكم
الْحِكْمَةَ
وهي الشريعة المطهرة والسنة النبوية ،
وَيُعَلِّمُكُمُ
علوما غيبية لم يكن لكم بها علم ولا معرفة ،
فَاذْكُرُونِي
بالطاعة والإحسان
أَذْكُرْكُمْ
بالثواب ونعيم الجنان . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أطاع اللّه فقد ذكر اللّه ، وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن . ومن عصى اللّه فقد نسي اللّه ، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته » . أو فاذكروني بالجنان أذكركم بنعمة الشهود والعيان ، أو فاذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الحجب ، أو فاذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات في الجنان . قال الصّديق رضي اللّه عنه : ( كفى بالتوحيد عبادة ، وكفى بالجنة ثوابا ) . أو فاذكروني بالشكر أذكركم بالزيادة ، أو فاذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها . قال الأصمعي : ( رأيت أعرابيا واقفا يوم عرفة بعرفات ، وهو يقول : إلهي عجّت لك الأصوات بضروب اللغات يسألونك الحاجات ، وحاجتي إليك أن تذكرنى عند البلاء إذا نسيني أهل الدنيا ) . أو : فاذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى ، أو : فأذكرونى بالطاعات أذكركم بالمعافاة ، يعنى يحييه حياة طيبة . أو : فاذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في أفضل الملأ ، دليله الحديث : « أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي