عليك » . والثاني : معرفته الطريق ، والسلوك على جادتها ، كارتكاب مشاق الطاعات ، ومعانقة مخالفة الهوى والشهوات ، ورؤية التقصير في ذلك ، وطلب التوبة مما هنالك ، وهذه هي مناسك حج القلوب ، والطريق الموصل إلى عرفة حضرة الغيوب ، والثالث : الظفر بالداعي إلى اللّه والدال عليه ، وهو المعلم الأكبر ، صحبته تطهر من العيوب ، ورؤيته تغنى القلوب ، وتدخلها إلى حضرة الغيوب ، ظاهره قائم بوظائف الحكمة ، وباطنه مشاهد لتصاريف القدرة ، وهذا هو القائم بالتربية النبوية . وباللّه التوفيق .
ولما قرر شرف إبراهيم عليه السّلام وجعله إماما يقتدى به ، حذر من ترك دينه والرغبة عن ملته ، فقال :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 130 إلى 132 ]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 )
قلت : ( من ) : استفهامية إنكارية ، فيها معنى النفي ، مبتدأ ، و ( يرغب ) وما بعده خبر ، و ( إلا ) إبطال لنفيها الذي تضمنته ، و ( من سفه ) بدل من ضمير ( يرغب ) على المختار ، و ( نفسه ) مفعول « سفه » ؛ لتضمنه معنى جهل أو أهلك ، قاله الزجاج ، أو على التمييز ؛ قاله الفراء ؛ لأن الضمير فيه معنى الشيوع الذي في ( من ) فلم يكسب التعريف ، أو على إسقاط الجارّ وإيصال الفعل إليه ، كقولهم : ضرب فلان الظهر والبطن . و ( إذ ) معمول لاصطفيناه ، وأوصى ووصى : لغتان ، إلا أن وصى فيه معنى التكثير . وضمير ( بها ) يعود على كلمة ( أسلمت ) ، أو الملة ، و ( يعقوب ) معطوف على « إبراهيم » ، و ( بنى ) محكى بحال محذوفة ، أي : قائلين يا بنى ، أو مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : قال يا بنى . . . إلخ ، فيوقف على ( بنيه ) .
يقول الحق جل جلاله :
وَمَنْ
هذا الذي
يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ
الواضحة
إِلَّا
من جهل قدر
نَفْسَهُ
وبخسها حقها ؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه ؟ وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه إماما
فِي الدُّنْيا
يقتدى به أهل الظاهر والباطن ؟
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
لحضرتنا ، والساكنين في جوارنا .
وإنما اخترناه لذلك لأنه حين
قالَ لَهُ رَبُّهُ
: استسلم لحكمنا ، وانقد لأمرنا ، قال سريعا :
أَسْلَمْتُ
وجهي
لِرَبِّ الْعالَمِينَ
، وانقدت بكلّيتى إليه .
وَوَصَّى
بهذه الكلمة أو الملة
إِبْراهِيمُ
، عند موته ،
بَنِيهِ
، وكانوا أربعة : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان . وكذلك حفيده
يَعْقُوبُ
أوصى بهذه الكلمة بنيه . وكانوا اثنى عشر ، على ما يأتي في الأسباط ، قائلين في تلك الوصية :
يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ
اختار لكم
الدِّينَ
الحنيف الواضح المنيف ، فتمسكوا به ما عشتم ، ولا تموتن
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
متمسكون به .