تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ولما عاتب الله بني إسرائيل ووبخهم استثنى من آمن منهم ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 121 ]

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 121 ) قلت : جملة ( يتلونه ) حال ، و ( أولئك ) خبر الموصول . يقول الحق جل جلاله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
، كعبد الله بن سلام وأصحابه ، حالتهم
يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ
غير محرّفين له ، ولا كاتمين ما فيه ،
أُولئِكَ
هم الذين
يُؤْمِنُونَ بِهِ
حقيقة ، وأما غيرهم ممن حرف وكتم صفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فقد كفر به ،
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
أي : الكاملون في الخسران ، حيث بخسوا أنفسهم من عزّ الدارين . الإشارة : ما قيل في التوراة وأصحابه يقال مثله في القرآن وأهله ؛ فمن آتاه الله القرآن ، وتلاه حق تلاوته ، بحيث جوّد حروفه وتدبّر معانيه ، وعمل بما فيه ، فأولئك هم المؤمنون به حقا ، والفائزون بثمار معانيه حلاوة وذوقا ، ومن ترك التدبر في معانيه فقد حرم نفسه ثمار حلاوته ، وذلك عين الخسران عند أهل الإيقان . وبالله التوفيق . ثم رجع الحق تعالى إلى تذكيرهم بالنعم ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 122 إلى 123 ]

يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 122 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 ) قلت : جملة ( لا تجزى ) : نعت ليوم ، وحذف العائد ، أي : لا تجزى فيه نفس ، قال المرادي : ( إذا نعت بالجملة اسم زمان جاز حذف عائده ) ثم استدل بالآية . وهل حذف برمته أو بالتدريج ؟ قولان . يقول الحق جل جلاله :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
بأن جعلت الأنبياء تسوسكم ، والملوك منكم يدبرون أموركم ، و
فَضَّلْتُكُمْ
على عالم زمانكم ، فاشكروا هذه النعم بالإيمان بالرسول الذي أرسلته إليكم ، وخافوا أهوال يوم القيامة ، الذي لا تغنى فيه
نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها
فداء إن أرادت الفداء ،
وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ
شافع ، ولا يدفع عنها أهوال ذلك اليوم ولى ولا ناصر ، إلا من اتخذ يدا عند الملك القادر ، وبالله التوفيق . وتقدمت إشارة هذه الآية في الآية الأولى .