تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
و ( ما ) المتصلة ببئس ونعم : نكرة منصوبة على التمييز ، أي : بئس شيئا اشتروا به أنفسهم ، وهو كفرهم ، أو معرفة تامة مرفوعة على الفاعل ، أي : بئس الشيء شئ اشتروا به أنفسهم . و ( اشتروا ) هنا بمعنى باعوا ، كشروا على خلاف الأصل ، وقد يمكن أن يبقى على أصله ، على ما يأتي في بيان المعنى . و ( بغيا ) مفعول من أجله ليكفروا ، و ( يكفرون ) حال من الفاعل في ( قالوا ) ، و ( وراء ) في الأصل : مصدر جعل ظرفا ، ويضاف إلى الفاعل ويراد به ما يتوارى به وهو خلفه ، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه ، ولذلك عد من الأضداد ، قاله البيضاوي . يقول الحق جل جلاله في شأن اليهود : بئس شيئا باعوا به حظ أنفسهم ، وهو كفرهم بما أنزل اللّه ، أو
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
بحسب ظنهم ، فإنهم ظنوا أنهم خلّصوا أنفسهم من العذاب بما فعلوا ، وهو كفرهم بما أنزل اللّه على محمد نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بغيا وحسدا أن يكون النبي من غيرهم ، فانقلبوا
بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ
للكفر والحسد لمن هو أفضل الخلق ، أو لكفرهم بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد عيسى عليه السّلام ، أو لتضييعهم التوراة ، وكفرهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ،
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ
أي : يذلهم ويخزيهم في الدنيا والآخرة ، بخلاف عذاب العاصي فإنه كفارة لذنوبه .
وَإِذا قِيلَ
لهؤلاء اليهود :
آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا
من التوراة ، وهم
يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ
أي : بما سواه ، وهو القرآن ، حال كونه
مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ
من التوراة ومهيمنا عليه .
قُلْ
لهم يا محمد :
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ
هذا الزمان ، وهو محرم عليكم في التوراة ،
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
به ؟ فهذا يبطل دعواكم الإيمان بالتوراة ؛ إذ الإيمان بالكتاب يقتضى العمل به ، وإلّا كان دعوى ، وإن فعله أسلافكم فأنتم راضون به وعازمون عليه . الإشارة : اعلم أن قاعدة تفسير أهل الإشارة هي أن كل عتاب توجه لمن ترك طريق الإيمان ، وأنكر على أهله يتوجه مثله لمن ترك طريق مقام الإحسان ، وأنكر على أهله . وكل وعيد توعد به أهل الكفران يتوعد به من ترك السلوك لمقام الإحسان ، غير أن عذاب أهل الكفر حسى بدني ، وعذاب أهل الحجاب معنوي قلبي . فنقول فيمن رضى بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل التربية : بئسما اشتروا به أنفسهم ، وهو كفرهم بما أنزل اللّه من الخصوصية على قلوب أوليائه بغيا وحسدا ، أو جهلا وسوء ظن ، أن ينزل اللّه من فضله على